مصطفى عياش
توفي صباح اليوم الأربعاء 1 يوليوز 2026، بالدار البيضاء، عمر الجابري، صاحب مطبعة دار النشر المغربية، المملوكة سابقاً لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بعد معاناة طويلة مع المرض.
وينحدر الراحل من مدينة وجدة، وقد التحق سنة 1975 بدار النشر المغربية، التي كانت آنذاك مملوكة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث بدأ مساره موظفاً بالمؤسسة قبل أن يتدرج في المسؤوليات. وكانت سنة 1975 أيضاً سنة التحاقي أنا، مصطفى عياش، بدار النشر المغربية، وهو ما أتاح لي أن أواكب جانباً من مسيرته المهنية عن قرب، داخل مؤسسة لم تكن مجرد مطبعة، بل مدرسة حقيقية في عالم الطباعة والنشر والصحافة.
وبحسب معطيات متطابقة، فقد آلت إليه ملكية الدار في مرحلة لاحقة، بعد تفويتها له خلال فترة تولي محمد اليازغي مسؤولية الكتابة الأولى للحزب، وذلك في ظل الصعوبات المالية والديون التي كانت تثقل كاهل المؤسسة. ورغم الجهود التي بذلها للحفاظ على هذا الصرح الثقافي، استمرت الإكراهات المالية لسنوات، قبل أن يضطر إلى بيع المطبعة مطلع سنة 2026، أي قبل نحو ستة أشهر فقط من وفاته، منهياً بذلك ارتباطاً امتد لأكثر من خمسة عقود بإحدى أعرق مؤسسات النشر والطباعة بالمغرب.
وكان الراحل شقيق المفكر والفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري، أحد أبرز رواد الفكر العربي المعاصر، وصاحب المشروع الفكري الكبير “نقد العقل العربي”، الذي قدم للمكتبة العربية مؤلفات مرجعية من بينها تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي والعقل السياسي العربي والعقل الأخلاقي العربي ونحن والتراث والتراث والحداثة، كما احتضنت دار النشر المغربية نشر عدد من أعماله وأعمال نخبة من المفكرين والسياسيين المغاربة.
وبرحيل عمر الجابري، يفقد المغرب واحداً من الوجوه التي ارتبط اسمها بتاريخ النشر والطباعة، وأسهمت في إخراج العديد من الكتب الفكرية والسياسية والأدبية إلى القارئ المغربي، محافظاً لسنوات طويلة على استمرارية مؤسسة شكلت علامة بارزة في المشهد الثقافي الوطني.
وبهذه المناسبة الأليمة، أتقدم، بصفتي أحد الذين تشاركوا معه جزءاً من مسارهم المهني داخل دار النشر المغربية، بأحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى أسرته الكريمة وعائلة الجابري، وإلى جميع أصدقائه ومحبيه، سائلاً الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، ويلهم أهله وذويه جميل الصبر والسلوان.
ويبقى سؤال يفرض نفسه بعد رحيل عمر الجابري، وبعد بيع مطبعة دار النشر المغربية مطلع سنة 2026: هل سيفكر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في استعادة هذا الصرح التاريخي، الذي ظل لعقود الذراع الطباعية للحزب، وكانت بين جدرانه تُطبع جرائده ومنشوراته ووثائقه السياسية؟
فقد ارتبطت دار النشر المغربية، التي انطلقت من مقرها بزنقة الجندي روش قبل انتقالها لاحقاً إلى منطقة عين السبع، بجزء مهم من الذاكرة السياسية والثقافية للحزب، ولم تكن مجرد مطبعة، بل مؤسسة رافقت محطات سياسية وفكرية بارزة، وأسهمت في توثيق جانب من تاريخ الاتحاد الاشتراكي والحركة الوطنية المغربية.
قم بكتابة اول تعليق