يونس مجاهد: المجلس الوطني للصحافة في المغرب: مؤسسة ولدت هجينة، وما زالت تبحث عن روحها

في صيف وخريف عام 2025، وبينما كانت الصحافة المغربية تتخبط بين الضغوط الاقتصادية والتحولات الرقمية، نشر يونس مجاهد، الرئيس السابق للمجلس الوطني للصحافة، دراسة أكاديمية هادئة في ظاهرها، حادة في تشخيصها. نُشرت في مجلة «فيض للعلوم الاجتماعية»، تحت عنوان «المجلس الوطني للصحافة: بين التنظيم الذاتي ونظام هيئات المهن الحرة». لم تكن مجرد تحليل قانوني؛ كانت مرآة رُفعت أمام مؤسسة وُلدت من زواج غير موفق بين نموذجين متنافرين، وما زالت تدفع ثمن هذا الزيجة حتى اليوم.

يبدأ مجاهد من نقطة تبدو تقنية، لكنها جوهر الأزمة: الطبيعة القانونية للمجلس. يصفها بـ«الانتقاء التلفيقي غير الموفق». مزجٌ بين مجالس أخلاقيات الصحافة، التي تقوم على التنظيم الذاتي الطوعي والالتزام المبدئي للمنظمات المهنية، وهيئات المهن الحرة (المحاماة والطب والصيدلة)، التي تفرض عضوية إلزامية وتنظم الولوج إلى المهنة بصرامة وتحتفظ بسلطة العزل.

النتيجة؟ هيئة هجينة طغت عليها المهام الإدارية، وعلى رأسها منح بطاقة الصحافة، بينما توارت المهمة النبيلة التي أُنشئت من أجلها: حماية الأخلاقيات وصون استقلالية المهنة.

يعتمد مجاهد في تحليله على نظرية بيير بورديو في «الحقل الصحافي». يرى بورديو أن هذا الحقل أكثر خضوعاً للقوى الخارجية من أي حقل ثقافي آخر: السوق، الإعلان، مراكز النفوذ السياسي. الصحافي ليس مهنياً حراً مستقلاً كالمحامي أو الطبيب، بل حلقة في سلسلة إنتاج تخضع لرؤساء التحرير والمالكين. لذلك، فإن نقل آليات الهيئات المهنية المغلقة إلى فضاء يحتاج إلى مرونة وتطوعية يخلق تناقضاً بنيوياً.

هذا التناقض انعكس أيضاً على طريقة اختيار الأعضاء: جزء يُنتخب، وجزء يُنتدب، في حين تعتمد التجارب الدولية الناجحة على التوافق والانتداب بين المنظمات المهنية، مع إشراك ممثلي الجمهور وأحياناً القضاء.

ثم يستعرض مجاهد خريطة واسعة للتجارب العالمية: من كيبيك وأستراليا حيث يغلب صوت المجتمع، إلى فنلندا وألمانيا وفرنسا حيث التمثيلية المهنية شبه المغلقة، مروراً بالنماذج التي تُشرك القضاء أو تسمح بتدخل رسمي محدود. المشترك بينها شبه مطلق: التركيز على الأخلاقيات، والسلطة المعنوية أساساً، والابتعاد عن تنظيم الولوج إلى المهنة. أما التجربة المغربية، سواء في صيغتها الأولى أو في المشروع الذي كان يُناقش آنذاك، فلا تستوفي معايير أي من النموذجين النقيين.

اليوم، بعد مرور نحو عام على نشر الدراسة، يبدو التشخيص أكثر إلحاحاً مما كان.

في يوليوز 2025، قدمت الحكومة مشروع القانون 026.25 لإعادة تنظيم المجلس. مر بمسار برلماني حاد، وصودق عليه في ديسمبر. لكن المحكمة الدستورية، في 22 يناير 2026، أسقطت عدة مقتضيات أساسية، أبرزها اختلال التوازن في التمثيلية لصالح الناشرين وبعض الجوانب المتعلقة بالحياد التأديبي. جاء قانون جديد (09.26) يرتب آثار القرار: مجلس من 17 عضواً (سبعة صحافيين منتخبين مع كوتا نسائية، سبعة ناشرين منتدبين وفق معايير اقتصادية، وثلاثة معينين من المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي).

في يوليوز 2026 نُصبت لجنة مؤقتة جديدة برئاسة قاضٍ لتحضير الانتخابات. حددت موعد الاقتراع في 15 شتنبر، ونشرت لوائح الهيئة الناخبة. لكن الرد المهني جاء سريعاً وحاداً: منظمات ونقابات تراسل رئيس الحكومة طالبة التأجيل، منددة بالتسرع والآجال الضيقة، وبوجود أسماء متوفين في اللوائح، وبحرمان صحافيين لم يحصلوا على بطاقة 2025، وبغياب الشفافية. المشهد نفسه الذي حذر منه مجاهد: الصراع على «الورقة» يطغى على أي نقاش حول الأخلاقيات.

هل تجاوزت التطورات طروحات الدراسة؟ جزئياً فقط. التدخل الدستوري حسّن التوازن، والكوتا النسائية خطوة إيجابية، ودور الهيئات الدستورية أوضح. لكن الهيكل الهجين بقي: المجلس ما زال يجمع بين الأخلاقيات ومنح البطاقة، وآلية التشكيل ما زالت مزيجاً من الانتخاب والانتداب والتعيين. التركيز على اللوائح والبطاقات ما زال يحتل الواجهة، تماماً كما توقع الباحث.

في بلد يسعى إلى صحافة قادرة على مواكبة زمنها، يبدو أن السؤال الذي طرحه مجاهد لم يُحسم بعد: هل المجلس هيئة «حكماء» تسهر على نزاهة المنتج الصحفي، أم جهاز إداري يمنح الرخص ويضبط الحدود؟ المؤسسات التي تولد هجينة قد تظل تبحث عن روحها طويلاً.

ونحن في غشت 2026، بينما تستعد اللجنة المؤقتة لانتخابات مثيرة للجدل، تبدو تلك الروح أبعد مما كانت عليه قبل عام.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*