في مقابلة تلفزيونية بدا فيها هادئاً كغير عادته، أعاد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي فتح ملف ظلّ مغلقاً في العلن لسنوات. قال إن سبتة ومليلية «ما زالتا على الطاولة»، وإن المغرب يطرح قضيتهما في كل لقاء مع الإسبان، وإن سياسته تقوم على «النفس الطويل».
لم يكن التصريح مفاجئاً في مضمونه؛ فالمغرب لم يتخلَّ يوماً عن مطالبته بالمدينتين. المفاجأة كانت في التوقيت، وفي الشخص الذي نطق به.
جاء الكلام بعد أيام قليلة من أكبر موجة عبور جماعي شهدتها سبتة منذ عقود، حين تدفق عشرات الآلاف من الشبان، معظمهم مغاربة، عبر الحدود أو عبر البحر في نهاية يوليوز. أعادت الصور المتداولة للمدينتين أسئلة قديمة عن السيادة والحدود والنفوذ. وفي هذا المناخ المتوتر، ظهر وهبي ليتحدث عن أراضٍ يعتبرها المغرب محتلة منذ قرون.
في السياسة المغربية، نادراً ما يكون مثل هذا الظهور عفوياً تماماً. وهبي، بأسلوبه المباشر وميله إلى إثارة الجدل، أدى هنا دور ما يُسمى في اللغة السياسية المغربية «أرنب السباق». يُدفع به إلى الأمام ليختبر ردود الفعل، ويمتص الصدمة الأولى، ويكشف مواقف الخصم، بينما تبقى السلطة العليا محتفظة بهامش كامل للمناورة.
إذا جاءت النتائج مفيدة، يُستفاد منها. وإذا جاءت مكلفة، يمكن بسهولة القول إنه تصريح وزاري لا يلزم الدولة بمسار تصعيدي.
الملف نفسه أقدم من معظم اللاعبين الحاليين. سقطت سبتة في يد البرتغاليين عام 1415، ثم آلت إلى إسبانيا، واحتُلت مليلية عام 1497. منذ استقلال المغرب عام 1956، ظلّت المدينتان في قلب السردية الوطنية كآخر بقايا الاستعمار في الشمال.
لكن الواقع على الأرض أكثر تعقيداً: سكان المدينتين يحملون الجنسية الإسبانية، والمدينتان جزء من الاتحاد الأوروبي، وإسبانيا تعتبر سيادتهما غير قابلة للنقاش. أي حلّ قريب يبدو بعيد المنال، وهذا ما يدركه الجميع في الرباط.
لماذا يُثار الملف الآن إذن؟ الجواب يكمن في تقاطع عدة أبعاد.
البعد الأول هو الهجرة: أثبتت أحداث يوليوز مجدداً أن تدفق البشر عبر الحدود يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط فورية. المغرب ينفي استخدام الهجرة كأداة، لكن النتيجة واحدة: إسبانيا تجد نفسها في وضع دفاعي، مطالبة بالتعاون الأمني والحدودي، بينما تُذكَّر في الوقت نفسه بأن هناك ملفات سيادية عالقة. رفع قضية سبتة ومليلية في هذه اللحظة يربط بين الملفين دون أن يصرّح بذلك مباشرة.
البعد الثاني سياسي داخلي إسباني: حكومة بيدرو سانشيز تواجه اتهامات بالتهاون في إدارة الحدود، ويجد اليمين في المعارضة فرصة لتعزيز خطابه المتشدد. تصريحات وهبي تمنح هذا اليمين مادة إضافية، وتُحرج الحكومة الاشتراكية التي تحاول الحفاظ على توازن دقيق مع الرباط.
حتى رئيس حكومة مليلية، خوان خوسيه إمبرودا، لم يتردد في الرد بسخرية لاذعة: «ما الفائدة من استرجاع المدينتين وأنتم غير قادرين على تدبير ما تملكون، وشبابكم يهربون منكم؟». الرد يكشف كيف يتحول الملف بسرعة من نقاش سيادي إلى اتهامات متبادلة حول الشرعية الاجتماعية والسياسية.
البعد الثالث أعمق وأكثر هدوءاً: في الدبلوماسية المغربية، الحفاظ على المطالبة حية أهم من تحقيقها الفوري. الصمت الطويل قد يُفهم كتخلٍ تدريجي. أما التذكير الدوري، خاصة في لحظات التوتر، فيمنع «التطبيع» مع الوضع القائم، ويُبقي الورقة جاهزة للاستخدام في أي مفاوضات مستقبلية. كما يمنح المغرب حجة أخلاقية مضادة: عندما تتحدث أوروبا أو إسبانيا عن تقرير المصير أو عن رفض الاستعمار في سياقات أخرى، يمكن الإشارة بهدوء إلى وجود أوروبي مستمر في شمال أفريقيا.
كل هذا يتم دون أن يُزجّ بالقصر أو بوزارة الخارجية في الواجهة الأولى. وهبي يركض في المقدمة، والسلطة العليا تراقب من بعيد. هذا ليس ضعفاً، بل حساباً دقيقاً لتكلفة التصعيد مقابل فائدته. المغرب يدرك أن استرجاع المدينتين ليس مسألة سنوات قليلة، وأن أي ضغط مفرط قد يُعطل التعاون الأمني والاقتصادي الذي يحتاجه. لذا يكتفي بإبقاء الملف مشتعلاً بما يكفي ليُحسب، دون أن يحترق.
في النهاية، تبدو تصريحات وزير العدل أقل أهمية مما تكشفه عن طبيعة النزاع نفسه. سبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين صغيرتين على الساحل، بل مرآة لعلاقات قوة غير متكافئة، ولذاكرة استعمارية لم تُطوَ بعد، ولأسلوب دبلوماسي يعتمد على الصبر والحساب أكثر مما يعتمد على المواجهة المباشرة.
أرنب السباق يؤدي دوره وينسحب، لكن السباق نفسه يستمر، بهدوء، وعلى مدى أجيال.

قم بكتابة اول تعليق