من وجدة إلى الدار البيضاء: هل تكون الصحراء بوابة رئاسة الحكومة؟

في هدوء ليل وجدة، وحيث تبدو الأشياء أكثر وضوحاً بعيداً عن صخب النهار، امتدت مكالمة هاتفية متأخرة بيني، وبين صديقي مصطفى عياش في الدار البيضاء. كان التباين بين المدينتين في تلك اللحظة يشبه إلى حد بعيد تباين زوايا نظرنا لمشهد سياسي وطني يترقب مآلات التعيين الملكي لرئاسة الحكومة.

لم يكن حوارنا مجرد دردشة ليلية عابرة، بل كان تفكيكاً هادئاً، أشبه بافتتاحيات المجلات الرصينة، لتعقيدات المرحلة المقبلة.

من قلب العاصمة الاقتصادية، كان مصطفى يقرأ المشهد بعدسات جيوسياسية بحتة. كان مسكوناً بفكرة استراتيجية مفادها أن تدبير المرحلة القادمة يتطلب “ضربة معلم” سياسية، تتجسد في إسناد قيادة الجهاز التنفيذي لشخصية وازنة تنحدر من الأقاليم الجنوبية.

في سرديته، لم يكن الأمر يتعلق بـ”كوطا” سياسية أو ترضية جغرافية، بل بضرورة حتمية تفرضها متطلبات الانتقال السلس من مرحلة “التحصين الدبلوماسي” لملف الصحراء، إلى مرحلة “الأجرأة المؤسساتية” لمبادرة الحكم الذاتي.

كان مصطفى يسهب في شرح كيف أن صعود “رجل دولة” من عمق الصحراء إلى رئاسة الحكومة سيمثل رصاصة الرحمة على ما تبقى من سرديات الانفصال في الخارج، ويقدم دليلاً ملموساً للمنتظم الدولي على الاندماج العضوي لأبناء المنطقة في أعلى هرم السلطة.

داخلياً، كان يرى أن شخصية تمتلك شفرة الفهم العميق للنسيج السوسيولوجي والقبلي للمنطقة، ستكون الأقدر على توفير “الهندسة الناعمة” لتحويل الحكم الذاتي من نص إلى واقع، بأقل قدر من الاحتكاكات.

كنت أستمع إلى تحليله البراغماتي العميق، وأنا أرشف قهوتي في هدوء وجدة، مقراً بوجاهة الطرح الاستراتيجي الكامن خلف كلماته.

اتمعن في اسم يحمل رمز الحملة وشرط الصدارة أواسم التسوية، أو اسم توازن آخر: جنوب، دولة، وقيادي بالحزب المتصدر في طور سابق لا في قيادة 2026. أهو دليل على أن تأخر التعيين وتمديد الفراغ بين الرمز والتقني قد يُملأ بمن لا ينتمي إلى خصومة أسبوع الدعاية.

لكنني، سرعان ما كنت أسحب خيوط النقاش نحو ثوابت الهندسة الدستورية وبنية النظام السياسي المغربي. كنت أميل بقوة إلى تجريد المشهد من كل التكهنات وحسابات الصالونات، مذكراً مصطفى بأن الفصل 47 من الدستور يجعل من هذا التعيين قراراً ملكياً سيادياً محضاً، يتعالى عن منطق الاستمالة أو الضغوط الظرفية.

حاولت أن أنقل له قناعتي بأن المؤسسة الملكية تمتلك مقاييسها الاستشرافية الخاصة، وهي مقاييس تدمج معطيات أمنية، مؤسساتية، وتنموية أوسع بكثير من مجرد الرمزية الجغرافية.

التعيين الملكي لا يخضع لحمى التوقعات، بل لرؤية تضع المصالح العليا للأمة في سياقها الأطول مدى. فمهما بدت سيناريوهات “البروفايل الجنوبي” مغرية من الناحية التكتيكية، فإن القرار النهائي يظل متحصناً بتقدير سيادي لا يقبل المنازعة، يختار الكفاءة واللحظة المناسبتين بدقة جراحية.

انتهت مكالمتنا في ساعة متأخرة، دون أن يقنع أحدنا الآخر تماماً، لكننا تقاطعنا عند خلاصة واحدة لا تقبل الشك:

سواء اتجهت البوصلة السيادية نحو ابن من أبناء الجنوب لتدشين مرحلة الحكم الذاتي، أو نحو كفاءة وطنية أخرى تقتضيها معادلات لا نراها، فإن مجرد ارتقاء نقاشنا إلى هذا المستوى من التخطيط المؤسساتي، يؤكد أن المغرب بات يكتب الفصول الأخيرة من هذا النزاع المفتعل بلغة العقل، هيبة الدولة، وصلابة المؤسسات.

تحياتي عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*