وجدة – سبتمبر 2026
ثمة مدنٌ تُسلّم مفاتيحها من أول شارع. وجدة ليست من هذه المدن. من يصل إليها قادماً من الغرب، عبر سهل أنكاد الممتد تحت شمس قارية لا تُهادن، يرى أولاً القسوة: صيفاً يحرق الحجارة، وشتاءً يدخل إلى العظام، ورياحاً تحمل غبار الحدود.
ثم، إن بقي طويلاً بما يكفي، يبدأ شيء آخر في الظهور: أذان يتسلل من مئذنة مرينية، بلوزة وجدية تقطع الرصيف بلونها، رائحة مطبخ لا يشبه مطابخ الداخل، وذاكرة مدينة ألفية اعتادت أن تستقبل الهاربين والمطرودين والعظماء، ثم تُنسى بعد أن تؤدي دورها.
هذا الظهور البطيء هو ما حاولت الأستاذة سليمة فراجي، المحامية بهيئة وجدة والبرلمانية السابقة، أن تُمسكه في كتابها عن «مدينة وجدة والمنطقة الشرقية». وهي تقول ذلك بلا مواربة: لم تكتب بصفتها مؤرخة أكاديمية، ولم تسعَ إلى بناء أطروحة تُرضي لجان المناقشة.
كتبت بروح المواطنة، ومن علاقة وجدانية خاصة تجمعها بالمدينة والجهة، «باش نكبر بوجدة». الجملة عامية، قصيرة، غير لائقة بأسلوب الكتب الرسمية. ولهذا بالذات تصلح عنواناً سرياً للعمل كله.
نصيحة من «لويزيانا»
المادة كانت مكتوبة أصلاً بالعربية. الصفحات الأولى وُلدت في لغة البيت والجلسة والذاكرة الشفهية. لكن الابن، الذي يتابع دراسته وعمله في الولايات المتحدة — «في لويزيانا (Louisiana) »، كما تقول بلكنة وجدية لا تتخلى عن نفسها حتى وهي تتحدث عن أمريكا — نصحها أن تُخرج النص بالفرنسية أولاً.
الحجة لم تكن تجميلية. الحجة كانت جغرافية: أن يصل الكتاب إلى مغاربة العالم، وإلى قارئ دولي لا يدخل وجدة إلا عبر الخرائط أو عبر خبرٍ عابر عن الحدود المغلقة.
اختارت العنوان الفرنسي بعد تفكير في ما لا يُقال من النظرة الأولى:
«OUJDA et MOI: l’éclat d’une mémoire blessée entre ombre, lumière et résilience».
وجدة وأنا: إشراقة ذاكرة مجروحة، بين الظل والنور والصمود.
الجملة طويلة على غلاف، لكنها صادقة مع تاريخ مدينة قدّمت أبناءها شهداءً في معركة الاستقلال، واحتضنت المجاهدين الجزائريين قبل سنة 1962، ثم ذاقت، سنة 1975، مرارة استقبال المغاربة المطرودين من الجزائر. الكرم نفسه، في الاتجاه المعاكس، لم يُعامل بالمثل. والكتاب لا يهرب من هذه المفارقة.
النسخة العربية ليست ترجمة لاحقة للنص الفرنسي. الكاتبة توضح أن الأصول العربية موجودة، وأن الخطة هي إصدار مستقل يصل إلى قاعدة أوسع داخل المغرب. الفرنسية هنا وسيط عبور، لا بديل عن اللسان الذي كُتبت به الحكاية أول مرة.
خمسون نسخة… وعلبة تُطلب بالاسم
الطبعة الأولى ليست طبعة سوق. خمسون نسخة رقمية عالية الجودة، ورق فاخر، طباعة دقيقة للمعالم والواجهات والأقمشة، ثم علب خاصة صُممت بالطلب — «Les boîtes en commande» — بعبارة تحمل من الهيبة أكثر مما تحمل من الكتالوج. أشرف على الطباعة جمال كراكشو.
والكاتبة، كما أنقل عنها، لم تطلب منه الاقتصاد: «ما تشطرش في هذو». الجملة الثانية العامية في هذا الملف ليست زينة. هي سياسة ميزانية: إن كان الكتاب إهداءً لا سلعة، فليظهر بمظهر يليق بالمدينة التي يُكرّمها.
الصور كلها ميدانية، التقطتها بنفسها. لا أرشيف مستعار، ولا بطاقات بريدية قديمة أُعيد تلوينها. «تصاور كلهم خديتهم أنا». في زمن يُنتج فيه الذكاء الاصطناعي واجهات مدنٍ لم تطأها قدم، يكتسب هذا الإصرار على العين الحية معنىً إضافياً: أن توثيق وجدة لا يُفوَّض. مبنى المحافظة، سكة الحديد التي رسمت اقتصاد الجهة وعمرانها، المدارس القديمة التي كانت نواة تنوير، المساجد التي استُقيت تواريخها من أفواه المعاصرين لا من المجلدات وحدها: كلها مُرّت عليها عدسة الكاتبة قبل أن تمر عليها الجملة.
الخمسون نسخة موجهة إلى دائرة ضيقة ومقصودة: أمناء أحزاب وأعيان المدينة، وممثلو السلطات الإدارية والتنفيذية. الباقي، النسخ اخرى ستُطبع لاحقاً، للجمهور والمكتبات والمؤسسات، بسعر غير ربحي.
العمل، في تصوره الأول، هبة ثقافية لا مشروع دار نشر.
البلوزة، المطبخ، والخط الحديدي
الكتاب لا يسير على خط زمني أكاديمي صارم. يسير على خط هوية. يفرد مساحة للباس التقليدي، وفي مقدمته البلوزة الوجدية، لا بوصفها فولكلوراً يُعرض في المهرجانات، بل بوصفها عنصراً هوياتياً للمرأة في المنطقة الشرقية: قطعة قماش تحمل طبقة اجتماعية وتاريخ تداخلٍ مع تلمسان ومغنية وندرومة، مدن لا تبعد عن وجدة إلا بما تبعده قرابة عن قرابة.
والمطبخ كذلك. الأطباق الوجدية ليست حاشية سياحية في آخر الفصل. هي، في منطق الكتاب، وثيقة نمط عيش: ما يُطبخ في البيت يقول من أين جاءت العائلة، وأي حدود عبرتها البهارات، وكيف صمدت الوليمة حين أُغلقت المعابر.
التراث اللامادي هنا ليس شعاراً يُرفع في يوم التراث، بل مائدة تُعاد كل أسبوع.
ثم يأتي الحجر والحديد. مبنى المحافظة كما رأته عين معاصرة لا عين بطاقة بريدية استعمارية. شبكة «Chemins de fer» التي جعلت من وجدة عقدة لا حاشية: قطار كان يعد بالعبور نحو تلمسان ووهران، ثم توقف المعنى حين توقفت السكة عند الخط.
المؤسسات التعليمية القديمة، تلك التي خرج منها جيل قرأ تحت أقواس ليست نسخاً من الرباط أو فاس. والفقيه عثمان، اسم يُستدعى لا ليُغلق لائحة الأعلام، بل ليذكّر بأن للجهة الشرقية علماءها الذين لم يُنقلوا إلى المركز كي يُعترف بهم.
العلاقة مع الجزائر تحتل حيّزاً لا يمكن تجنبه في أي كتاب صادق عن وجدة. المدينة لم تكن متفرجة على حرب التحرير الجزائرية؛ كانت قاعدة خلفية، ومأوى، وأحياناً هدفاً لعقاب فرنسي: تخريب محطة البث الجهوي بطريق سيدي يحيى سنة 1961، وقصف مقر جبهة التحرير في المدينة في فبراير 1962.
بعد الاستقلال جاءت صفحة أخرى، أشد مرارة: استقبال المغاربة المطرودين سنة 1975. الكتاب يوثق الامتداد الاجتماعي — المصاهرة، اللهجة، السوق — من غير أن يحوّل التوثيق إلى بيان سياسي. حسبه أن يضع الشهادة حيث كانت.
بين مزدوجتين
الذي راجع النص وقدّمه ليس ناشراً عابراً. مراد العربي، خبير سابق في منظمة المينورسو، وعميد سابق لكلية الحقوق والعلوم الاقتصادية بوجدة — «دوايان» — وجدي يعرف من تكلم ومن صمت. لم يكتفِ بالمراجعة العلمية للكتاب. بل استعمل علاقاته ليأتي بشهادات حية من معاصرين، يُذكر من بينهم «علال السي ناصر» وأصدقاؤه، ثم تُدرج في المتن كما تُدرج البينة في ملف.
منهج الكاتبة في التعامل مع الشفهي صارم على طريقته. كل شهادة بين علامتي تنصيص. كل صوت يُنسب إلى صاحبه بالاسم: «شهادة فلان». لا إعادة صياغة تُذيب الراوي في صوت المؤلفة.
في مهنة المحاماة، الشهادة إما أن تُحفظ كما قيلت أو تُفقد حجيتها. يبدو أن فراجي نقلت هذه العادة من قاعة الجلسات إلى صفحات المدينة.
«اخترت عنوان وجدة، إشراقة ذاكرة مجروحة، بين الظلال والأنوار والصمود، لأن تاريخ هذه المدينة لا يمكن أن يُروى دون استحضار تضحياتها وآلامها في آن واحد.»
الجملة لها، ننشرها قبل اكتمال توزيع الطبعة المحدودة، وهي تلخّص العقد الأخلاقي للكتاب: لا تمجيد أعمى، ولا نعي. وجدة، في هذا التصوير، مدينة استقبال واختلاط. مرّ بها عظماء، وصدحت فيها أناشيد 16 غشت 1953، وفتحت بيوتها مرتين لناس عبروا الحدود في اتجاهين متعاكسين. السحر فيها «لا يُفصح عن نفسه من النظرة الأولى» — وهي العبارة التي اختارتها خاتمة لنصها المنشور عن العمل، وكأنها تحذر القارئ المستعجل من أن يغلق الكتاب قبل أن تهدأ العين.
كتابان، مزاجان
في الوقت نفسه هناك كتاب ثانٍ لفراجي، مختلف المزاج تماماً: مدونة برلمانية تضم نحو ثلاثمئة وأربعين سؤالاً، ومداخلات لجنة العدل والتشريع، وتعديلات، وأثر سنوات داخل القبة. ذلك الكتاب تقني، خالٍ من صور التراث، لا يحمل إلا صوراً رسمية محدودة — الملك في زيارة للبرلمان، الكاتبة في أنشطة عمل. يطبعه «إبراهيم»، الذي سبق أن طبع أطروحتها للدكتوراه، بمواصفات عادية. ورئيس المحكمة الدستورية أوصى، كما نُقل، بعدم تنقيح الأسئلة، حفظاً لأصل ما طُرح عبر السنوات.
المقارنة بين العملين ليست ترفاً ببليوغرافياً. هي مفتاح لفهم صاحبة الكتاب. المرأة التي راجعت النصوص القانونية في لجنة التشريع هي نفسها التي نزلت إلى الشارع لتلتقط واجهة مبنى.
التي رفضت أن يُمسّ أرشيف الأسئلة البرلمانية هي نفسها التي أصرت على وضع الشهادات الشفهية بين مزدوجتين. الصرامة هنا ليست أسلوباً أدبياً؛ هي طبع مهنة.
سليمة فراجي ليست ضيفة على المشهد الوجدي. هي أول امرأة سُجلت في هيئة المحامين بجهة الشرق سنة 1982، وأول امرأة شغلت عضوية مجلس الهيئة، ونائبة سابقة ترأست نيابة لجنة العدل والتشريع، وفاعلة جمعوية مرّت بنادي الليونز والجمعية الأندلسية للطرب الغرناطي.
هذا السجل لا يدخل الكتاب بوصفه سيرة ذاتية تتقدم النص. يدخل بوصفه عدسة: من يدافع عن الاستقلال المهني للمحاماة يعرف ماذا يعني أن تُحفظ رواية شفهية باسم صاحبها، ومن عاش وجدة من داخل نقابتها وبرلمانها ومطبخها يعرف أن المدينة لا تُختزل في إحصاء عمراني.
ما تبقّى بعد الإهداء
الطبعة المحدودة ستصل إلى مكاتب لا تُفتح فيها الكتب دائماً. هذا خطر الهدايا الرسمية: أن تتحول الذاكرة إلى تحفة على الرف. غير أن منطق العمل نفسه يقاوم هذا المصير.
الكتاب لا يدّعي أنه أغلق موضوع وجدة، ولا أنه استبدل المؤرخين. هو يقول شيئاً أضيق وأكثر إلحاحاً: أن مدينةً حدودية، أُغلقت أمامها الأبواب التجارية شرقاً لعقود، تستحق أن تُرى بعيون أهلها قبل أن تُشرح بعيون العابرين.
في نصها عن المدينة، تطلب فراجي من وجدة أن تجيب النداء وألا تترك صوتها يذوب «في صدى البعيدين». الطلب موجَّه إلى المدينة، لكنه في الحقيقة موجَّه إلى من يسكنونها ويكتبونها ويديرون شأنها.
الخمسون علبة الفاخرة لفتة تشريف. أما الامتحان الحقيقي فسيأتي مع الطبعة العادية، ومع الأصل العربي الذي لم يُنشر بعد، ومع قدرة هذا الحب المعلن — «باش نكبر بوجدة» — على أن يخرج من دائرة الإهداء إلى دائرة القراءة.
حتى ذلك الحين، تبقى الصورة التي التقطتها الكاتبة بنفسها أمام مبنى المحافظة أكثر بلاغة من أي تقديم:
امرأة خرجت من قاعة المحكمة ومن قبة البرلمان، ووقفت في ضوء وجدة القاسي، تُصوّر حجراً يعرفه أهل المدينة ويعبره الزائر دون أن يراه. يوحي ان الكتاب، في جوهره، محاولة أن يرى الوجديون الحجرُ نفسه.
تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق