لم تكن غيثة البراد من تلك الشخصيات التي تحتاج إلى تقديم طويل. في وجدة، يكفي أن تقول اسمها حتى ترتسم في الذهن صورة امرأة صغيرة القامة، سريعة الخطو، تدخل قاعة المجلس وكأنها تدخل معركة لا اجتماعاً. كنت أعرفها كذلك: ليست من أولئك الذين يوزّعون الابتسامات الدبلوماسية على أبواب الدورات، ولا من الذين يحتفظون بمواقفهم لبيانات ما بعد الجلسة. كانت تجيب قبل أن يكتمل السؤال، وتنفعل قبل أن يكتمل الخطأ. وهذا بالضبط ما جعلها، في مدينة تعوّدت على السياسة الهادئة والمساومات المتأخرة، شخصية يصعب تجاهلها.
تعاملت معها سنوات بصفتي صحافياً يتابع مواقف الحزب الاشتراكي الموحد في المحطات الحساسة. لم تكن المتحدثة الرسمية دائماً، لكنها كانت الأسرع رداً. رسالة قصيرة في الليل، مكالمة في الصباح التالي، موقف واضح لا يحتاج إلى لجنة صياغة. الثبات عندها لم يكن شعاراً حزبياً؛ كان عادة يومية. تدخل في ملف النقل الحضري كما تدخل في ملف الميزانية أو الشراكات أو صمت الجماعة عن العمال المعتصمين. لا تفرّق كثيراً بين المعركة الكبيرة والمعركة الصغيرة، لأن كلتيهما، في نظرها، اختبار للنوايا.
وجدة مدينة حدودية تعلّمت أن تعيش على الهامش. إغلاق الحدود، تراجع التهريب المعيشي، غياب البدائل، ثم مجالس محلية تُدار بتحالفات بعيدة عن الشارع. في هذا المشهد، بدت غيثة ناشزة. ليست فقط لأنها يسارية في مجلس يميل إلى الائتلاف الحاكم، بل لأنها رفضت أن تلعب دور المعارضة الديكورية. انسحبت من دورة، اعتصمت في بهو الجماعة، خرجت إلى الوقفة مع العمال، ثم عادت في الجلسة الموالية لتطرح السؤال نفسه بصيغة أشد. هذا النوع من الإصرار يُرهق الخصوم، ويُحرج الحلفاء، ويُتعب حتى المتابعين. لكنه كان أسلوبها.
في الجمعية أيضاً كانت حاضرة. «رواد التغيير» لم تكن بالنسبة إليها مجرد إطار جمعوي يزيّن السيرة. نسّقت مشاريع، رافقت نساء الأحياء الهشة، تحدّثت عن الهجرة وحق المعلومة ومشاركة النساء في تدبير الشأن العام. كانت تنتقل بين لغة النضال الحزبي ولغة العمل المدني دون أن تفقد نبرتها. وهذا نادر. كثيرون ينتقلون فيفقدون الحدّة؛ هي انتقلت فحافظت عليها.
آخر مرة تابعت تدخلها في المجلس، كانت كعادتها لا تنتظر دورها بهدوء. ترفع يدها، تقاطع إن لزم الأمر، تعيد الجملة إذا شعرت أنها لم تُسمع. الانفعال عندها لم يكن ضعفاً في السيطرة؛ كان شكلاً من أشكال الأمانة. كانت تغضب لأن الملف يعنيها، لا لأن الكاميرا مسلطة. وهذا ما يفرّق المناضل عن الممثل السياسي.
ثم……….، ثم……..، ثم جاء الخبر سريعاً كعادتها هي نفسها في الرد: نوبة قلبية حادة، رحيل مفاجئ، صباح ثقيل على رفاق الحزب وعلى من كانوا يتابعون تدخلاتها من مقاعد الصحافة أو من آخر القاعة. فاروق المهداوي نعاها بوصفه الخبر صادماً. ورفاق الجهة الشرقية قالوا ما يُقال عادة في مثل هذه اللحظات، ثم صمتوا قليلاً، لأن بعض الشخصيات عندما ترحل تترك فراغاً عملياً لا معنوياً فقط. من سيطرح السؤال بالطريقة نفسها؟ من سيبقى في القاعة حتى النهاية ثم يخرج إلى الشارع دون أن يغيّر النبرة؟
غيثة البراد لم تكن أيقونة مصقولة، ولا نجمة يسار جاهزة للملصقات. كانت امرأة من وجدة، سريعة التجاوب، سريعة الانفعال، دائمة الحضور، ثابتة على موقفها حتى عندما كان الثبات يكلّفها العزلة داخل المجلس.
في زمن يميل فيه السياسي إلى حساب الربح والخسارة قبل النطق، بدت هي أقرب إلى جيل أقدم وأكثر عناداً: تقول ما تعتقده، ثم تتحمل النتيجة. وتحملت حتى انفطر قلبها.
رحيلها بهذه الفجاءة يشبه أسلوبها. لم تمهل أحداً وقتاً لصياغة الوداع المناسب. تركت القاعة كما تدخلها عادة: بسرعة، وبلا مواربة. وبقي صوتها معلّقاً في مكان ما بين محضر الجلسة وذاكرة من كانوا يجلسون ويستمعون، ويعلمون أنها لن تسكت حتى لو أُغلق الميكروفون.
تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق