انتقل إلى المحتوى

GIL24-TV
آخر الأخبار
أبعاد القصة

مكافحة الفساد في قفص الاتهام: كيف أسقطت “مغالطة الدولتين” الحائط الفلسفي لوزير العدل وهبي ونقلتها كاميرات البرلمان؟

مكافحة الفساد في قفص الاتهام: كيف أسقطت “مغالطة الدولتين” الحائط الفلسفي لوزير العدل وهبي ونقلتها كاميرات البرلمان؟缩略图

في قلب المشهد السياسي المغربي، وخلال جلسة الأسئلة الشفوية التي احتضنها مجلس النواب يوم الاثنين 2 نوفمبر 2026، عاد ملف “تخليق الحياة العامة” ليفرض نفسه بقوة وبشكل صدامي على واجهة النقاش التشريعي. لم يكن النقاش الذي دار تحت قبة البرلمان مجرد تراشق سياسي معتاد حول تأخر إخراج النصوص القانونية، بل تحول، في جوهره وعمقه، إلى مواجهة إبستمولوجية وفلسفية خالصة بين منطقين يتنازعان فلسفة القانون الجنائي الحديث.

  • يتمثل المنطق الأول في “الفعالية الزجرية والمنفعة الاجتماعية” الذي يطالب به نواب الأمة لردع الفساد وتنزيل الوثيقة الدستورية،
  • بينما يتجلى المنطق الثاني في “الضمانات الحقوقية والنزاهة الإجرائية” الذي يحتمي خلفه وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، مدافعاً بشراسة عن قرينة البراءة وحقوق الدفاع.

تستدعي هذه المواجهة البرلمانية تفكيكاً نظرياً دقيقاً، حيث لا يُقرأ النص القانوني كحروف جامدة تُطبع في الجريدة الرسمية، بل كانعكاس لروح “دولة الحق والقانون” وتوازن القوى والفلسفات داخل المجتمع.

إن التشريع المتعلق بالإثراء غير المشروع، وتضارب المصالح، وتبييض الأموال، وحماية المبلغين، يضع المشرع أمام اختبار تاريخي وحقيقي: كيف يمكن صياغة نص جنائي يطارد الفساد المالي المتشعب والمعقد، دون أن يتحول إلى آلة عمياء تسحق الكرامة الإنسانية، وتهدم صرح “المحاكمة العادلة”، وتنقض مبدأ قرينة البراءة الذي شيدته البشرية عبر قرون من النضال الحقوقي؟

أولا : التشريح السياسي والقانوني للمواجهة البرلمانية: الدستور في مواجهة الجمود

لنبدأ بتفكيك ما شهدته الجلسة البرلمانية من تقاطعات صريحة في الخطابات حول ضرورة تجاوز الجمود التشريعي الذي طال أمده.

فقد شكلت تدخلات الفرق البرلمانية، سواء من الأغلبية أو المعارضة، جبهة موحدة تطالب بتفعيل مقتضيات الوثيقة الدستورية، ولا سيما الفصل 36 من الدستور المغربي لعام 2011، الذي ينص صراحة على وجوب معاقبة القانون للمخالفات المتعلقة بتنازع المصالح، واستغلال التسريبات المخلة بالتنافس الحر، وكل المخالفات ذات الطابع المالي، مع إرساء آليات الحكامة الجيدة.

لقد تبلورت مطالب النواب في دعوات واضحة لتأسيس منظومة قانونية لا تكتفي بردع الفساد الكلاسيكي، بل تهاجم مناطق الظل المالي. وهنا سجلنا تدخلات واضحة من فرق الاغلبية :

  • في هذا السياق، دعا عبد المنعم الفتاحي، عن الفريق الاستقلالي، إلى التنزيل الحرفي لمبدأ “من أين لك هذا؟“، وهو المبدأ الذي يشكل جوهر فلسفة مكافحة الإثراء غير المشروع، مطالباً بإخراج قانون تنازع المصالح، وتجريم تسريب المعلومات المتميزة بغرض الحصول على امتيازات، وتعزيز الحماية القانونية للموظفين المبلغين عن أفعال الفساد، فضلاً عن مراجعة نظام التصريح الإجباري بالممتلكات ليصبح أداة رقابة حقيقية وليس مجرد إجراء شكلي.
  • وفي ذات الاتجاه، اعتبرت فدوى الرجواني، عن الفريق الاشتراكي، أن تجريم الإثراء غير المشروع لم يعد مجرد ترف تشريعي أو مطلب نخبوي، بل هو ضرورة وجودية لاستعادة معنى العمل السياسي وثقة المواطنين في مؤسساتهم.
  • ولم تقتصر هذه المطالبة الملحة على فريق دون آخر، بل امتدت لتشمل فريق الأصالة والمعاصرة، حزب الوزير نفسه،الذي شدد على ضرورة تقوية آليات الرقابة والمحاسبة والتصدي لاستغلال النفوذ والاحتكار.

أما من جهة المعارضة فقد اتخذ فريق العدالة والتنمية موقفاً أكثر هجومية وحدة، حيث وصف النائب عبد الصمد حيكر جواب وزير العدل بأنه “بائس“، مذكراً بأن فريقه قد أودع مسبقاً أربعة مقترحات قوانين متكاملة في هذا المضمار، قوبلت بالتجاهل أو التأجيل المستمر. (نشير ان الوزير اعترض عن كلمة “البائس” معتبرا اياها نوعا من الفساد ولم يكمل النقاش حتى تقدم عبدالله بوانو بطلب سحبها من المحضر).

في المقابل، وامام هذا الضغط البين، لم يعمد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، إلى الرفض المطلق لمبدأ التشريع، إذ أعلن عن استعداد الوزارة لتقديم قوانين جديدة تعالج الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وتبييض الأموال، مع جمع المبادرات السابقة للفرق النيابية تمهيداً لنقاش مؤسساتي داخل اللجنة المختصة.

غير أن الوزير بنى خطابه الدفاعي على أرضية فلسفية وحقوقية محضة، محذراً من الانزلاقات الإجرائية الخطيرة التي قد تصاحب هندسة هذه القوانين، وخاصة الإثراء غير المشروع.

وقد تركزت دفوعه حول التناقض الصارخ بين آلية “قلب عبء الإثبات“، التي يتطلبها هذا القانون، وبين المبدأ الكوني المتمثل في “قرينة البراءة“. وأكد الوزير على صعوبة إثبات عدم مشروعية مصادر الثروة دون المساس بحق المتهم في الصمت، مشدداً على أن صمت المتهم أو عجزه عن تقديم تبرير محاسبي لثروته لا ينبغي، فلسفياً وقانونياً، أن يُتخذ كدليل إدانة مستقل يزج به في غياهب السجن. كما عبر عن توجس عميق من مخاطر التشهير والانتقام السياسي، محذراً من نشر صور المشتبه فيهم قبل صدور أحكام نهائية تدينهم، ومستحضراً مساطر قضائية طالت لسنوات وانتهت بالبراءة، ليبقى الضرر المعنوي وصمة لا تُمحى في جبين المتهم وعائلته.

وخلص إلى أن أي سلطة تُمنح لأجهزة الرقابة والتحقيق يجب أن تقابلها، بالضرورة، ضمانات دقيقة تحدد مسؤوليات المراقبة وتمنع التعسف باسم مكافحة الفساد.

ولتبيان الموقفين، نقدم الجدول التوضيحي التالي :

المواقف التشريعية في الجلسة البرلمانية (2 نوفمبر 2026)التركيز الأساسي والمطالبالفلسفة القانونية المتبناة
الفرق البرلمانية (أغلبية ومعارضة)تفعيل الفصل 36 من الدستور، تجريم الإثراء غير المشروع (من أين لك هذا؟)، حماية المبلغين، تقوية الرقابة على تضارب المصالح.المنفعة الاجتماعية، الفعالية الزجرية، حماية المصلحة العامة والمال العام.
وزير العدل (عبد اللطيف وهبي)التحذير من المساس بقرينة البراءة وحق الصمت، المطالبة بضمانات صارمة ضد التشهير والتعسف، رفض اعتبار الصمت دليل إدانة.النزاهة الإجرائية، أولوية الحقوق الفردية كقيود على سلطة الدولة الردعية.

ثانيا: الفلسفة القانونية للنص الجنائي: بين رونالد دوركين وتحديات النزاهة

إن الجدل القائم في المغرب يلامس إشكالية كلاسيكية وعميقة في فلسفة القانون: متى يتحول الحذر المشروع من إساءة استعمال السلطة إلى أداة لتعطيل التشريع وبقاء الوضع القائم؟

لفهم هذا التوتر، يجب الاحتكام إلى النظريات العالمية في الفلسفة القانونية، والتي طالما بحثت في العلاقة المعقدة بين القواعد المكتوبة، والمبادئ الأخلاقية، والسياسات العامة.

يرفض الفيلسوف الأمريكي البارز رونالد دوركين (Ronald Dworkin)، في كتابه العمدة “إمبراطورية القانون” (Law’s Empire)، النظرة الوضعية الصارمة التي أسس لها إتش. إل. إيه. هارت (H.L.A. Hart)، والتي تعتبر القانون مجرد مجموعة من القواعد (Rules) التي يمكن تطبيقها آلياً واستبدالها بناءً على الحاجة الاجتماعية.

بالنسبة لدوركين، يتجاوز القانون كونه مجرد أوامر مدعومة بالجزاء؛ إنه يتشكل من “مبادئ” (Principles) عميقة تعكس المعايير الأخلاقية وتاريخ المجتمع المؤسساتي. وفي صلب هذه النظرية، تبرز فكرة دوركين المركزية القائلة بأن الحقوق الفردية الأساسية تعتبر “أوراق لعب رابحة” (Rights as Trumps).

هذا يعني أن الحقوق الفردية تمتلك وزناً أخلاقياً وقانونياً يتفوق على الاعتبارات النفعية أو السياسات العامة التي تهدف إلى تعظيم المنفعة الاجتماعية أو الكفاءة الاقتصادية.

بناء عليه، فإن حجة وزير العدل،من منظور نظرية دوركين، تبدو في ظاهرها متسقة تماماً مع مبدأ “النزاهة” (Integrity) القانونية. فإدخال قاعدة قانونية زجرية جديدة (مثل جريمة الإثراء غير المشروع) تقوم ميكانيكياً على قلب عبء الإثبات، قد يؤدي إلى تصادم عنيف مع مبدأ أسمى يحكم النظام الجنائي بأكمله، وهو “قرينة البراءة“.

أي، إذا اعتبرنا حقوق المتهم، بما فيها حقه في افتراض براءته وحقه في عدم تجريم ذاته، “أوراقاً رابحة“، فلا يمكن، وفقاً لدوركين، التضحية بهذه الحقوق لمجرد تحقيق هدف اجتماعي نبيل يتمثل في “تخليق الحياة العامة” أو “استرجاع الأموال المنهوبة“. فاستقرار النظام القانوني وتماسكه الأخلاقي يتطلب ألا يتناقض المشرع مع المبادئ الكبرى المؤسسة للدولة الديمقراطية.

لكن،

من جهة أخرى، يرى التيار الوضعي الحديث (تأسيساً على أعمال هارت) أن النظام القانوني يمتلك مرونة ذاتية من خلال ما يسميه “قواعد التغيير” (Rules of Change). إن السلطة التشريعية ليست ملزمة بإنتاج نص مثالي وخالٍ من الثغرات من اللحظة الأولى للتشريع.

لأن التشريع، كما يعرف السيد الوزير وهبي، هو تجربة اجتماعية متطورة، قابلة للتعديل والتقويم والإلغاء إذا ما أظهر التطبيق العملي أي انزياح عن الغاية الأساسية أو تعسفاً في استعمال السلطة.

لذا فإن الانتظار اللانهائي حتى تكتمل الضمانات الإجرائية بشكل “يوتوبي” يؤدي عملياً إلى تجميد القاعدة القانونية وتعطيل مقتضيات الوثيقة الدستورية، مما يخلق فراغاً مؤسساتياً يخدم بشكل مباشر مصالح شبكات الفساد.

وهنا يبرز التمييز الجوهري بين قراءتين لموقف الوزير في الفلسفة القانونية:

  • القراءة الأولى تعتبره احتياطاً مشروعاً يهدف إلى حماية النظام من إنتاج “ظلم منظم” باسم القانون،
  • والقراءة الثانية تعتبره عذراً لـ”التعطيل المقنع” الذي يتذرع بالخوف على الحقوق الفردية لتأبيد الوضع القائم وتأخير نص يطالب به الدستور وتفرضه الالتزامات الدولية.

إن التعديل اللاحق للقانون، في نظر المدافعين عن الحقوق، لا يمحو الضرر الذي يلحق بالفرد خلال السنوات التي تستغرقها المسطرة، وهو ما يجعل هاجس الوزير يحمل وجاهة فلسفية، رغم أن تعطيل القانون بالكامل يظل خطيئة تشريعية.

ثالثا: السكوب الإعلامي: تفكيك المعطى الخاطئ والمغالطة الإحصائية

في خضم هذا السجال الفلسفي والسياسي المعقد، أدلى وزير العدل بتصريح يحمل في طياته مغالطة إحصائية وقانونية صارخة، شكلت ما يمكن اعتباره “سكوباً إعلامياً” يستوجب الوقوف عنده وتفكيكه.

فقد صرح الوزير، في محاولة لتبرير تردده في صياغة نص الإثراء غير المشروع، بأن “دولتين فقط” في العالم تشرعان لمثل هذه الجريمة، موحياً بأن المغرب يسبح ضد التيار العالمي بتبنيه لهذا المطلب.

هذا المعطى ليس فقط غير دقيق، بل هو مجافٍ تماماً للواقع التشريعي المقارن وللبيانات الموثقة لدى الهيئات الدولية المتخصصة. إن اللجوء إلى تقزيم الظاهرة التشريعية العالمية لتبرير الجمود الداخلي هو تكتيك سياسي يفتقر إلى السند الأكاديمي، ويتجاهل التطور الهائل الذي شهده القانون الجنائي الدولي والمقارن خلال العقدين الأخيرين.

تكشف الدراسة المرجعية الشاملة التي أعدها الخبير الدولي أندرو دورنبيرير (Andrew Dornbierer)، والتي صدرت عن “معهد بازل للحوكمة” (Basel Institute on Governance) في عام 2021 تحت عنوان “الإثراء غير المشروع: دليل للقوانين التي تستهدف الثروة غير المبررة” (Illicit Enrichment: A Guide to Laws Targeting Unexplained Wealth)، أن التشريعات المتعلقة بالإثراء غير المشروع واسعة الانتشار ومتجذرة في العديد من الأنظمة القانونية عالمياً.

ووفقاً للبيانات الإحصائية الموثقة في هذا التقرير، تم رصد نحو 98 قانوناً يتعلق بالإثراء غير المشروع أو الثروة غير المبررة، وهي موزعة على أكثر من 100 ولاية قضائية حول العالم.

إن التوزيع الجغرافي لهذه القوانين، كما هو مفصل في دراسة معهد بازل، يفند تماماً ادعاء “الدولتين”:

المنطقة الجغرافيةعدد التشريعات (الإثراء غير المشروع/الثروة غير المبررة)أمثلة بارزة للولايات القضائية
آسيا والمحيط الهادئ36 تشريعاًالهند (منذ 1964)، الصين، هونغ كونغ، أستراليا، ماليزيا.
القارة الأفريقية35 تشريعاًمصر، السنغال، كينيا، رواندا، الجزائر، تونس، موريشيوس.
الأمريكيتان (الشمالية والجنوبية)25 تشريعاًالأرجنتين (السباقة منذ 1936/1964)، كولومبيا، المكسيك، بيرو.
أوروباتشريعان جنائيان (مع آليات بديلة متعددة)ليتوانيا، مولدوفا (تاريخياً)، المملكة المتحدة (أوامر مدنية).

من الواضح أن انحصار الرقم الضعيف (دولتان فقط تتبنيان التجريم الجنائي الخالص) في القارة الأوروبية الغربية هو المعطى الذي اختلط على السيد الوزير، حيث قام بتعميم هذا العزوف الأوروبي على العالم بأسره.

غير أن هذا التردد في أوروبا وأمريكا الشمالية لا يعود بأي حال من الأحوال إلى اعتبار هذه القوانين بدعة “متخلفة او مخيفة” أو لندرة جرائم الفساد، بل يرتبط بحسابات دستورية ومؤسساتية دقيقة.

لقد صيغت المادة 20 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) بصيغة مرنة وغير إلزامية، حيث تنص على أنه: “رهناً بدستورها والمبادئ الأساسية لنظامها القانوني، تنظر كل دولة طرف في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية… لتجريم الإثراء غير المشروع، أي الزيادة الكبيرة في موجودات موظف عمومي لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة قياساً إلى دخله المشروع“.

و إدراج عبارة “رهناً بدستورها” كان نتاج مفاوضات عسيرة اعترضت خلالها الدول الغربية على هذا المقتضى، نظراً لاصطدام مفهوم “قلب عبء الإثبات” مع التقاليد الدستورية الأنجلوسكسونية والجرمانية التي تقدس حق الصمت، ومبدأ عدم تجريم الذات، وقرينة البراءة كحقوق غير قابلة للتجزئة وهي بالضبط الدفوعات التي جاء بها السيد الوزير، مما يكشف، بما لا يترك مجالا للشك، عن خلفياته الايدلوجية الرأسمالية الغربية.

ومع ذلك، نذكر السيد الوزير، أن الدول الأوروبية التي رفضت التجريم الجنائي الكلاسيكي للإثراء غير المشروع لم تترك فراغاً تشريعياً يشجع على تراكم ثروات الفساد، بل ابتكرت وطورت آليات قانونية موازية تتسم بفعالية وشراسة تفوق في أحيان كثيرة القانون الجنائي التقليدي، نذكر منها:

  1. المصادرة المدنية (Non-conviction based forfeiture): وهي آلية تسمح بمصادرة الأصول والممتلكات المشبوهة بناءً على دعوى مدنية تُرفع ضد “الشيء” نفسه (in rem)، وليس ضد الشخص، مما يلغي الحاجة إلى استصدار إدانة جنائية تخضع لمعايير الإثبات الصارمة “بما لا يدع مجالاً للشك المعقول” (Beyond reasonable doubt).
  2. أوامر الثروة غير المبررة (Unexplained Wealth Orders – UWOs): وقد برز هذا النظام بقوة في المملكة المتحدة بعد إقرار قانون المالية الجنائية لعام 2017 (Criminal Finances Act 2017)، والذي عُرف إعلامياً بقوانين “ماك مافيا“. تمنح هذه الأوامر وكالات إنفاذ القانون (مثل الوكالة الوطنية للجريمة NCA) صلاحية التقدم للمحكمة العليا لإجبار الأفراد (وخاصة الشخصيات السياسية البارزة PEPs أو المرتبطين بجرائم خطيرة) على تقديم تفسيرات مفصلة حول مصادر تمويل أصولهم العقارية أو المالية التي تتجاوز قيمتها 50,000 جنيه إسترليني. إذا فشل المعني بالأمر في تقديم تفسير مقنع أو رفض التعاون، يُعتبر ذلك قرينة كافية لصالح الدولة لمصادرة تلك الأصول مدنياً. وإذا ثبت أنه قدم معلومات كاذبة أو مضللة، فإنه يواجه عقوبة جنائية منفصلة تصل إلى السجن لمدة عامين.

إن الاستشهاد بندرة قوانين الإثراء غير المشروع كذريعة للامتناع عن التشريع يغفل حقيقة أن النظام القانوني لا يُقاس بعدد الدول التي تبنت مقاربة بعينها، بل بقدرة ذلك النظام على خلق توازن بين الفعالية والضمانات.

فإذا كانت الحكومة المغربية تخشى من الانزلاقات الجنائية ومن منح القضاء سلطة تقديرية واسعة لتقييم ثروات الأفراد، فبإمكانها استلهام النموذج البريطاني الذي ينقل المعركة إلى الساحة المدنية، أو النموذج الصارم الذي تعتمده هونغ كونغ. ففي المادة 10 من قانون منع الرشوة (Prevention of Bribery Ordinance – POBO) لعام 1971، يعتبر احتفاظ الموظف العمومي بمستوى معيشي أو سيطرته على موارد مالية لا تتناسب مع مخصصاته الرسمية، جريمة قائمة الذات مالم يقدم تفسيراً مقنعاً للمحكمة. وقد صمد هذا التشريع لأكثر من نصف قرن أمام الطعون الدستورية المتكررة، وأثبت فعاليته القصوى في تحويل هونغ كونغ من بؤرة للفساد إلى أحد أكثر الاقتصادات شفافية في العالم.

رابعا: المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وحدود التناسب في قلب عبء الإثبات

إن المخاوف التي عبر عنها وزير العدل بشأن قرينة البراءة ليست هواجس فارغة، بل تجد صدىً ونقاشاً واسعاً في أروقة المحاكم العليا دولياً، وتحديداً في اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECtHR). فقرينة البراءة ليست مجرد ترف فكري، بل هي عماد المحاكمة العادلة المنصوص عليه في المادة 6 (الفقرة 2) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي تنص بوضوح على أن “كل شخص متهم بجريمة يُعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً“.

لقد أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مبادئ صارمة تحرم على الدولة المساس بهذه القرينة. على سبيل المثال، في قضية (Allenet de Ribemont v. France)، أقرت المحكمة بأن تصريحات كبار المسؤولين الحكوميين (كوزراء الداخلية أو مسؤولي الشرطة) التي توحي بوضوح بذنب المشتبه به قبل أن تُثبت المحكمة ذلك، تشكل خرقاً جسيماً لقرينة البراءة.

ويتعزز هذا المبدأ بضرورة أن يفسر أي شك لصالح المتهم بناءً على قاعدة (in dubio pro reo)، وهو ما استقر في قضايا مثل (Barberà, Messegué and Jabardo v. Spain). هذا التوجه يدعم، بشكل لا لبس فيه، موقف الوزير الرافض بشدة للتشهير ونشر صور المشتبه بهم قبل الإدانة، ويعتبر أن حماية سمعة الأفراد هي جزء لا يتجزأ من الحق في محاكمة عادلة.

ولكن،

وهنا تكمن العقدة الفلسفية التي تتيح مخرجاً للتشريع، فإن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لم تغلق الباب إطلاقاً أمام “القرائن القانونية” أو نقل عبء الإثبات، بل وضعت لها إطاراً فلسفياً وقانونياً يُعرف بـ”مبدأ التناسب“.

في القضية المرجعية والتأسيسية (Salabiaku v. France لعام 1988)، والتي تعلقت بقرينة التهريب الجمركي بمجرد العثور على مخدرات في أمتعة المسافر، وضعت المحكمة قاعدة ذهبية: الاتفاقية الأوروبية لا تمنع الدول بشكل مطلق من وضع قرائن واقعية أو قانونية (Presumptions of fact and of law) في منظومتها الجنائية، لكنها تلزم الدول بإبقاء هذه القرائن ضمن “حدود معقولة” (Reasonable limits) تأخذ في الاعتبار الأهمية القصوى للمصلحة العامة المحمية، وتحافظ في الوقت ذاته على حقوق الدفاع، مع إعطاء المتهم فرصة حقيقية وملموسة لدحض هذه القرينة.

بعبارة أخرى، إن الانعكاس الجزئي لعبء الإثبات، والذي يشكل العمود الفقري لجرائم مثل الإثراء غير المشروع، ليس بدعة منافية لحقوق الإنسان بطبيعتها، بل هو تقنية قانونية معترف بها شرعاً إذا ما أُحيطت بضمانات التناسب والمراقبة القضائية المستقلة.

إن التحدي الذي يواجه المشرع المغربي ليس في رفض المبدأ خوفاً من المحظور، بل في صياغة نص متوازن يوفر للمشتبه فيه الحق في تبرير مصادر ثروته أمام قضاء مستقل، دون أن تُصادر حريته لمجرد الشك المطلق (وسنعتبر بحس نية ان هذا ما قصده الوزير وهبي).

خامسا: تبييض الأموال: التناقض الفلسفي وقبول قرينة الأصل غير المشروع

لعل من أشد المفارقات الفلسفية والتشريعية في الموقف الحكومي هو التخوف المبالغ فيه من انعكاس عبء الإثبات في جريمة الإثراء غير المشروع، في حين أن المشرع، سواء في المغرب أو في فرنسا (التي تعتبر المرجعية التاريخية للقانون المغربي)، قد تشرّب وقَبِل فعلياً بمبدأ “القرينة” والتخفيف من عبء الإثبات في الجرائم المالية المعقدة، وتحديداً في جرائم تبييض الأموال (غسل الأموال).

في القانون الجنائي الفرنسي، وأمام الصعوبة البالغة التي كانت تواجهها النيابة العامة في إثبات المسار المعقد للأموال القذرة، أحدثت التعديلات التشريعية لعام 2013 ثورة إجرائية غير مسبوقة من خلال استحداث المادة 324-1-1 من قانون العقوبات الفرنسي.

أدخلت هذه المادة مفهوم “قرينة الأصل غير المشروع للأموال” (Présomption d’origine illicite)، والتي بموجبها، يتم افتراض أن الأموال أو الممتلكات ناتجة عن جناية أو جنحة إذا كانت الشروط المادية، القانونية أو المالية لعملية الاستثمار أو التوظيف المالي تفتقر إلى أي “مبرر اقتصادي” أو مبرر منطقي متوافق مع النشاط المعتاد للشخص، مما ينقل عبء الإثبات بشكل شبه مباشر إلى المتهم الذي بات مطالباً بتبرير مشروعية تلك الأموال.

وقد أثارت هذه المادة جدلاً حقوقياً مشابهاً للجدل الدائر اليوم في المغرب. إلا أن محكمة النقض الفرنسية حسمت الأمر، معتبرة أن هذه القرينة لا تشكل مساساً جوهرياً بحقوق الدفاع أو بقرينة البراءة المنصوص عليها في المادة 6 من الاتفاقية الأوروبية.

والسر في ذلك يكمن في تصنيفها كـ”قرينة بسيطة” (Présomption simple) قابلة لإثبات العكس بكافة وسائل الإثبات، وليست “قرينة قاطعة” (Irrefragable) تمنع المتهم من الدفاع عن نفسه.

أكثر من ذلك سيدي الوزير، فقد كرس الاجتهاد القضائي الفرنسي مبدأ “استقلالية جريمة غسل الأموال” (Autonomie de l’infraction de blanchiment). حيث لم يعد من الضروري للنيابة العامة أن تحدد بدقة طبيعة الجريمة الأصلية (Infraction sous-jacente) التي ولّدت الأموال القذرة (هل هي مخدرات، أم تهرب ضريبي، أم اختلاس؟)، بل يكفي إثبات أن الظروف المحيطة بالثروة تؤكد استحالة أن تكون ذات أصل مشروع. هذا الاستقلال الإجرائي يماثل تماماً جوهر جريمة الإثراء غير المشروع.

وجه المقارنةالإثراء غير المشروع (كما يطالب به النواب)تبييض الأموال (وفق المادة 324-1-1 من القانون الفرنسي)
عبء الإثباتافتراض عدم المشروعية عند وجود زيادة كبيرة غير مبررة للثروة.افتراض عدم المشروعية عند غياب المبرر الاقتصادي لعمليات مالية معقدة.
ارتباطها بالجريمة الأصليةلا تشترط إثبات تلقي رشوة أو اختلاس محدد، بل تُركز على النتيجة (الثروة).مستقلة عن الجريمة الأصلية، ولا يشترط إدانة مسبقة لمرتكبها.
موقف المدافعين عن قرينة البراءةرفضها باعتبارها تجرم الصمت وتلغي قرينة البراءة.قبولها قضائياً كـ”قرينة بسيطة” ضمن حدود التناسب لحماية النظام الاقتصادي.

التساؤل الفلسفي الذي نتمنى ان يطرحه برلماني باسمنا على وزير العدل هو: إذا كان النظام الجنائي يتقبل بمرونة تخفيف عبء الإثبات عن النيابة العامة، ويفترض الأصل غير المشروع للأموال في قضايا غسل الأموال والجرائم الجمركية لحماية استقرار الاقتصاد والنظام المالي، فما المانع الفلسفي أو الدستوري المزعوم من تطبيق نفس المنهجية القانونية، وبذات الضمانات، لحماية المال العام والمرفق العمومي من آفة الإثراء غير المشروع؟

التناقض هنا يكمن في قبول الآلية عندما تستهدف المهربين والمتهربين ضريبياً، ورفضها عندما تستهدف الموظفين العموميين والسياسيين.

سابعا: حماية المبلغين وجريمة الوشاية الكاذبة: المشي على حبل مشدود

المحور الثالث والأخير في هذا النقاش التشريعي المعقد يتعلق بملف حماية المبلغين عن الفساد. فقد طالب النواب بإلحاح بتعزيز الترسانة القانونية لحماية الموظفين الشرفاء الذين يغامرون بمساراتهم المهنية لكشف ممارسات الفساد ونهب المال العام داخل إداراتهم أو مؤسساتهم.

يقابل هذا المطلب قلق مشروع ومفهوم لدى صانع القرار، يتمثل في التخوف من تحول منظومة التبليغ إلى سلاح فتاك لتصفية الحسابات السياسية أو الشخصية، وإغراق النيابات العامة بكيدية، وهو ما يعاقب عليه القانون الجنائي بصرامة تحت مسمى “الوشاية الكاذبة” أو “التبليغ الكاذب” (Dénonciation calomnieuse)، كما هو منصوص عليه في الفصل 445 من القانون الجنائي المغربي والمادة 226-10 من قانون العقوبات الفرنسي، والتي تعاقب بالسجن والغرامة كل من بلغ كذباً بسوء نية بهدف الإضرار بالغير.

كيف يمكن إذن صياغة نص قانوني يحطم “مؤامرة الصمت” (Omertà) التي تعشش فيها شبكات الفساد الإداري، دون أن ننزلق نحو “ثقافة المخبرين” الكيدية التي تدمر الثقة داخل المؤسسات؟

الجواب الفلسفي والتشريعي يقدمه التطور العالمي في هذا المجال، ولا سيما التوجيه الأوروبي التاريخي بشأن حماية المبلغين لعام 2019 (Directive EU 2019/1937). لقد أسس هذا التوجيه لنموذج متكامل لكيفية تحقيق هذا التوازن الدقيق. فهو يلزم المؤسسات بإنشاء قنوات إبلاغ داخلية وخارجية آمنة ومستقلة، تضمن السرية المطلقة لعدم الكشف عن هوية المبلغ، وتحظر أي عقوبات تأديبية ضده.

والنقطة الفلسفية الأهم في التوجيه الأوروبي هي قلبه لعبء الإثبات في قضايا “الانتقام الوظيفي” (Retaliation).

فإذا تعرض المبلغ الذي اتبع المساطر الصحيحة لأي شكل من أشكال المضايقة، كالفصل من العمل أو التخفيض في الرتبة، يُفترض قانوناً أن هذا الإجراء هو إجراء انتقامي كيدي بسبب تبليغه. ويقع على عاتق الإدارة أو المُشغِّل إثبات العكس، أي تقديم الدليل على أن إجراءها التأديبي كان مبنياً على أسس مهنية موضوعية لا علاقة لها مطلقاً بفعل التبليغ.

ولتجاوز معضلة الوشاية الكاذبة واختلاق الأكاذيب، اشترط التوجيه الأوروبي معياراً حاسماً: يجب أن يكون لدى المبلغ “اعتقاد معقول” (Reasonable belief) بأن المعلومات التي بلغ عنها كانت صحيحة وقت الإبلاغ، وأنها تندرج ضمن نطاق الجرائم التي يغطيها القانون.

هذا المعيار الهجين (الذاتي/الموضوعي) هو الجسر الذي يعبر بالمشرع من فخ الوشاية الكاذبة إلى بر الحماية الفعالة؛ فإذا ثبت أن المبلغ كان يتصرف بسوء نية صريح واختلق وقائع يعلم يقيناً عدم صحتها، فإنه يُجرد من الحماية ويُحال على مقتضيات الوشاية الكاذبة.

يمكن للمشرع المغربي تبني معيار “الاعتقاد المعقول” بوضوح لفرز الغث من السمين، بدلاً من تأجيل إصدار النص خوفاً من استغلاله السيئ.

سابعا: الصحافة بين كشف الفساد وسيف “المحاكمات الإعلامية”

لا يمكن تفكيك هذا السجال التشريعي والفلسفي دون الوقوف عند الدور المحوري، والمزدوج في آن واحد، للصحافة. فقد استحضر وزير العدل في دفاعه تخوفه العميق من الانفلات الإعلامي ومخاطر التشهير، محذراً من نشر صور المشتبه فيهم قبل صدور أي أحكام قضائية نهائية.

نتفق مع الوزير على انه عندما تتجاوز الصحافة دورها الإخباري لتلعب دور “القاضي المجتمعي“، فإنها تؤسس لما يُعرف بـ”المحاكمة الإعلامية” التي تضرب قرينة البراءة في مقتل؛ فالضرر المعنوي والرمزي الذي يلحق بالمتهم وعائلته جراء التشهير المسبق لا يمكن لأحكام البراءة اللاحقة أن تمحوه.

بالمقابل،

تقف الديمقراطيات الحديثة عاجزة عن تفعيل آليات مكافحة الفساد دون سلطة رابعة قوية وصحافة استقصائية حرة.

الصحافة، سيدي الوزير التي تتجنب الحديث عنها، هي الأداة الأكثر نجاعة في تتبع مسارات الثروات وتعرية تضارب المصالح وتنوير الرأي العام.

وتكمن الإشكالية الفلسفية هنا في هندسة بيئة قانونية تضمن حرية الصحافة الاستقصائية في كشف شبكات الفساد المعقدة، وفي ذات الوقت تمنع الانزلاق نحو التشهير أو الاغتيال الرمزي للشخصيات قبل أن يقول القضاء المستقل، والمزود بضمانات المحاكمة العادلة، كلمته الفصل.

ثامنا: الهيئة الوطنية للنزاهة (INPPLC): صمام الأمان المؤسساتي لتجاوز الجمود

إلى جانب دور النص الجنائي وتحديات التغطية الإعلامية، يبرز دور الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها كآلية مؤسساتية ضرورية لتجاوز حالة الشلل التشريعي. إن تفعيل آليات الرقابة المستقلة يشكل ضمانة قوية تحول دون الانزلاق نحو المراقبة الانتقائية أو التوظيف السياسي لملفات الفساد، وهو ما يُبدد الكثير من المخاوف المطروحة.

فالهيئة، بصلاحياتها الدستورية والقانونية في التتبع والتحري، تمثل حلقة وصل مؤسساتية تضمن التنفيذ السليم للفصل 36 من الدستور.

وهي بذلك تخفف من العبء الملقى على القضاء الجنائي عبر رصد المخالفات الإدارية والمالية في مهدها، وتوجيه السياسة الجنائية نحو تبني ممارسات فضلى تستلهم المعايير الدولية، محققة بذلك المعادلة الصعبة بين الفعالية في حماية المال العام والاحترام التام لضمانات المحاكمة العادلة.

تاسعا: الخلاصة: نحو “نزاهة” تشريعية تصون الحقوق وتطارد الفساد

إن النقاش الدائر تحت قبة البرلمان المغربي حول قوانين محاربة الفساد ليس مجرد تدافع سياسي عابر يفرزه اختلاف المواقع بين الحكومة والمعارضة، بل هو انعكاس لولادة عسيرة لمعايير حكامة جديدة ولنموذج مجتمعي يطمح لسيادة القانون.

إن مبررات وزير العدل، المرتكزة على الاحتياط الحقوقي وحماية قرينة البراءة، تكتسي مشروعية فلسفية لا يُعلى عليها في دولة ديمقراطية تحترم التزاماتها الدولية. فالقانون الجنائي يجب ألا يُفهم كمجرد سيف مسلط للانتقام الاجتماعي، بل هو في جوهره درع دستوري يحمي حريات الأفراد وكرامتهم من طغيان الدولة واشتطاط مؤسساتها.

ومع ذلك، فإن الفلسفة القانونية الرصينة تعلمنا أن الاحتياط يجب أن يكون حافزاً للابتكار وتجويد النص، لا مبرراً للعدمية وتعطيل المؤسسات.

إن تحجج خطاب وهبي بمعطى خاطئ فادح — حصر تشريعات الإثراء غير المشروع في دولتين فقط بينما تقارب المئة دولة حول العالم تتبنى نصوصاً مقاربة — يفقده جزءاً كبيراً من رصانته الأكاديمية، ويسلحه بطابع “التعطيل المقنع” الذي يتذرع بالفضائل لستر العجز عن مواجهة مقاومة شبكات المصالح.

النص القانوني الجيد، في سياق تخليق الحياة العامة، هو ذلك الذي يجسد نظرية دوركين في “النزاهة” (Law as Integrity) أو اي نظرية قادرة على انتاج نص يوفق بعبقرية بين صيانة حق المتهم في محاكمة عادلة لا تُنتهك فيها قرينة البراءة أو حقه في الصمت بشكل تعسفي مطلق، وبين حق المجتمع الأصيل في استرداد ثرواته المنهوبة وتفكيك شبكات استغلال النفوذ التي تنخر جسد التنمية.

ولتحقيق هذا التوازن الإستراتيجي، يمكن للمشرع المغربي أن يستلهم الدروس من الفقه المقارن عبر:

  1. صياغة قانون إثراء غير مشروع متدرج: يعتمد إما على مقاربة جنائية مشروطة بآليات مسبقة للمراقبة تمنع التشهير وتقتصر في البداية على كبار مسؤولي الدولة، أو الهروب نحو الأمام بتبني آلية المصادرة المدنية وأوامر الثروة غير المبررة (UWOs) على النمط الأنجلوسكسوني، والتي تُمكن من استرداد الأصول دون المساس المباشر بالحرية الفردية وقرينة البراءة الجنائية.
  2. توحيد منهجية عبء الإثبات العكسي: بشكل متناسب ومقيد، قياساً على الاجتهاد القضائي المستقر سلفاً في جرائم تبييض الأموال (كالقرينة البسيطة في القانون الفرنسي)، مما يرفع الحرج الفلسفي عن المشرع ويضمن تناسق السياسة الجنائية.
  3. مأسسة حماية المبلغين وفق المعايير الأوروبية: بتبني معيار “الاعتقاد المعقول وقت الإبلاغ”، لفرز التبليغ النزيه عن الوشاية الكاذبة، مع قلب عبء الإثبات لصالح المبلغ في حال تعرضه لأي إجراء تأديبي.

في النهاية، لن تُبنى دولة الحق والقانون بالخوف والجمود، بل باقتحام المناطق التشريعية الرمادية بشجاعة المشرع وتبصر الفيلسوف، جاعلين من قرينة البراءة بوصلة تضبط العدالة لا قيداً يكبلها، ومن محاربة الفساد التزاماً فعلياً يحمي حقوق الأجيال القادمة، لا مجرد خطابات تتبخر بمجرد انتهاء جلسات المساءلة الدستورية.

تحياتي – عبدالعالي الجابري

3 نونبر 2026 – الثالثة و 50 دقيقة صباحا.

  1. The McMafia Laws: Unexplained Wealth Orders Explained | Skrine, http://www.skrine.com/insights/alerts/august-2021/the-mcmafia-laws-unexplained-wealth-orders-explain

قم بكتابة اول تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*