في صباح وجدة الذي يختلط فيه ضوء الشمس برائحة الورق الطري، لا تبدو ساحة الملعب الشرفي مجرد فضاء للعرض، بل مختبراً مفتوحاً للذاكرة والمستقبل معاً. منذ 27 أكتوبر وحتى فاتح نونبر 2026، تستضيف المدينة الدورة السادسة للمعرض المغاربي للكتاب «آداب مغاربية»، تحت شعار «لنبدع عالماً مشتركاً»، بتنظيم وكالة تنمية جهة الشرق بشراكة مع جامعة محمد الأول وشركاء آخرين. هنا، تتحول الممرات إلى خلية حية تتقاطع فيها التحولات التكنولوجية مع أصداء التراث، ويصبح الكتاب جسراً لا مجرد سلعة.
وفي هذا الفضاء المعرفي المفتوح، حرصت أروقة دور النشر، مثل دار “En toute liberté”، على تحويل فعل القراءة إلى مساحة حوار وتفاعل مباشر حول القضايا الاجتماعية والمشاريع الفكرية الحية التي تخاطب انشغالات القارئ المغربي والمغاربي.
وفي قلب التظاهرة، يتألق رواق جامعة محمد الأول باعتباره الجناح الأكبر مساحة على الإطلاق برقعة تمتد لنحو مائة متر مربع. يختزل هذا الرواق الدينامية الأكاديمية الشاملة عبر ثلاثة أقسام رئيسية تتوزع بين عرض الإصدارات العلمية والأدبية بأربع لغات عالمية، وفضاء راديو الجامعة لتسجيل الحلقات والبودكاست المباشر، وموقع المحاضرات والتوقيعات الذي شهد إقبالاً طلابياً غفيراً.
ولم ينفصل هذا الزخم العلمي عن الأبعاد الإنسانية والمجتمعية، إذ شهد الجناح تنظيم ورشات عمل تفاعلية احتضنت الأطفال ذوي الهمم برفقة أمهاتهم لكتابة أسمائهم بالحرف الأمازيغي “التيفيناغ”، في لفتة تعكس عمق انفتاح المؤسسة الجامعية على مختلف الشرائح الاجتماعية.
ولم تغب عوالم الصحراء المغربية وعمقها الثقافي عن نقاشات المعرض، حيث تميزت الأنشطة الأكاديمية بتقديم دراسة أنثروبولوجية تناولت “أشكال التواصل في التراث الثقافي الحساني بمنطقة وادي الذهب” للدكتور محمد الشيطان (محمد الشبال). ويسلط هذا العمل العلمي الضوء على الفضاءات التواصلية وأدوار المرسلين العموميين والطقوس الاجتماعية الممتدة عبر التاريخ الحساني، طرحاً رهان صون هذا التراث اللامادي ودمج ذاكرته الجماعية في أذهان الأجيال اللاحقة لمواجهة تحديات العولمة.
وفي موازاة ذلك، امتدت السجالات المعرفية لتلامس قضايا العصر الملحة والتحولات الدراماتورجية والفلسفية؛ إذ شهدت المنصات مناقشة الحماية الجنائية لحقوق الملكية الفكرية والعلامات التجارية لحماية الاقتصاد الوطني، مع طرح إشكاليات التحديات القانونية والمسؤوليات الناتجة عن ثورة الذكاء الاصطناعي.
كما تنوعت العروض بين طرح الرؤى المسرحية الجديدة الداعية لتجديد لغة المسرح وشعريته، وبين توقيع مؤلف ينبش في مشروع المفكر الفلسطيني الكوني إدوارد سعيد المعنون بـ “خارج الطائرة وخارج السرب”. وتناول التقديم مفاهيم الفكر المركب ونظريات ما بعد الاستعمار والذاكرة المشتركة، مبرزاً التناغم التام بين فكر سعيد وشعار الدورة الملتزم ببناء عالم مشترك.
وكان لنبض فلسطين حضور وجداني لافت بقاعة ليلى شهيد، حيث تم توقيع كتاب “خواطر مترنحة في حب فلسطين الجريحة” للكاتبة حورية قاسمي بن عمر، وهو عمل يمتزج فيه الشعر بالقصة القصيرة ليجسد الصراع الذاتي والتعاطف الممتد مع ما يشهده قطاع غزة عقب طوفان الأقصى.
وبصورة مكملة لربط الجيل الجديد بالكلمة، انطلقت ورشات الحكواتية هند السعيدي عن منشورات مرسم لإعادة تنشيط المخيلة الشفهية وتراث الحكاية الشعبية لدى الأطفال. كما دعت دور النشر الموجهة للشباب، كدار “الكينيك”، إلى ضرورة إعادة الاعتبار للكتاب الورقي باعتباره المنهل الأصيل لكل معرفة وثقافة حقيقية، مؤكدين جميعاً على الرسالة الجامعة الموجهة للجمهور: “اقرأوا ما استطعتم إلى ذلك سبيلا، فالقراءة هي تغذية للعقل واستشراف للمستقبل”.



قم بكتابة اول تعليق