أحمد صبار
منذ تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري برئاسة الحكومة المغربية، برزت أصوات اختارت، بدل مناقشة الاختيارات الحكومية وتقييم مضامينها، التشكيك في التجربة ومحاولة التقليل من قيمة المرأة المغربية، وكأن وصول امرأة إلى أعلى منصب تنفيذي في البلاد حدث ينبغي التعامل معه بمنطق الاستثناء، لا باعتباره تطوراً في مسار المشاركة السياسية للمرأة.
والأكثر إثارة للانتباه أن بعض الأصوات التي طالما رفعت شعارات تمكين الشباب وتجديد النخب وإعطاء المرأة مكانتها داخل المؤسسات، أصبحت اليوم تتعامل مع هذه الاختيارات بمنطق التشكيك المسبق، دون أن تمنح أصحابها فرصة إثبات قدراتهم من خلال الممارسة وتحمل المسؤولية.
وبالعودة إلى تشكيلة الحكومة، يتضح أن الأحزاب المشكلة للأغلبية مارست حقها السياسي والتنظيمي في اقتراح الأسماء التي تمثلها داخل الجهاز التنفيذي، وفي هذا السياق، اختار حزب الأصالة والمعاصرة، باعتباره الحزب المتصدر للانتخابات، الدفع بعدد من الوجوه التي تشكلت داخل مدرسته السياسية، وتدرجت في هياكله التنظيمية، وتحملت مسؤوليات حزبية ومؤسساتية قبل الوصول إلى مواقع المسؤولية الحكومية.
إن استحضار أسماء من قبيل المهدي بنسعيد، إلى جانب عدد من الوجوه الشابة والنسائية التي راكمت تجربة داخل التنظيمات الموازية للحزب، يطرح سؤالا مشروعا، أليس من الإنصاف أن يحسب لهذا الحزب أنه اختار الاستثمار في جزء من رصيده التنظيمي، ومنح الفرصة لطاقات شابة ونسائية راكمت تجربة في العمل الحزبي؟
فمنظمة شباب الأصالة والمعاصرة عرفت خلال السنوات الأخيرة دينامية تنظيمية أعادت إليها الحضور والنقاش الداخلي بقيادة شاب هو اليوم وزير منتدب اسمه صلاح الدين عبقري، كما أن تجربة التنظيمات النسائية للحزب أفرزت قيادات راكمت بدورها خبرة في التأطير والترافع والعمل المؤسساتي، ومن بين هذه الكفاءات من تحملن مسؤوليات رئاسة المجلس الوطني للحزب ونذكر هنا الوزيرة المنتدبة الشابة نجوى كوكوس، ومنظمة النساء بقيادة الوزيرة الشابة قلوب فيطح، ومؤسسات التشريع والرقابة البرلمانية.
وهنا لا يتعلق الأمر بمنح صك براءة مسبق لأي اسم جرى اقتراحه للاستوزار، ولا بالقول إن الانتماء الحزبي وحده يكفي لتولي المسؤولية الحكومية، بل يتعلق بالاعتراف بأن التدرج التنظيمي، والتجربة السياسية، والقدرة على التأطير والترافع، كلها عناصر ينبغي أن تدخل ضمن معايير تقييم الكفاءة، لا أن تتحول إلى مبررات للتقليل من قيمة أصحابها.
فلماذا يطالب الشباب بتحمل المسؤولية، ثم يشكك فيهم عندما تمنح لهم؟ ولماذا يرفع شعار تمكين المرأة، ثم يصبح حضورها في مواقع القرار مادة للتشكيك والانتقاص؟
إن توجيهات الملك محمد السادس بشأن تجديد النخب، وتمكين الشباب، وتعزيز حضور المرأة في الحياة العامة، لم تكن مجرد شعارات للاستهلاك السياسي أو مناسباتية الخطاب، بل شكلت توجها استراتيجيا واضحا في بناء مغرب المؤسسات والكفاءات، ومن هذا المنطلق، فإن أي مبادرة حزبية تترجم هذه التوجهات إلى اختيارات عملية تستحق أن تناقش بموضوعية، وأن يعترف بجوانبها الإيجابية، دون إعفائها من المساءلة والمحاسبة.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال الدور المحوري للإعلام في مواكبة التجربة الحكومية الجديدة، فالإعلام المهني مطالب بممارسة النقد، وكشف الاختلالات، ومساءلة المسؤولين، لكنه مطالب أيضا بالتحلي بالاستقلالية والتوازن والابتعاد عن توظيف المنابر الصحفية في معارك إعادة التموضع السياسي.
فحين يتحول النقد الإعلامي إلى حملات انتقائية تستهدف أشخاصا بعينهم، أو حين تستعمل بعض المنابر لتصفية حسابات مرتبطة بتدافع سياسي حول مواقع المسؤولية والنفوذ، فإننا نكون أمام إشكال يتجاوز حرية التعبير إلى سؤال أخلاقي ومهني يتعلق باستقلالية القرار التحريري.
ولا يعني ذلك أن كل نقد موجه للحكومة أو لرئيستها يدخل في خانة تصفية الحسابات، فالنقد حق مشروع، بل ضرورة ديمقراطية، لكن الفارق كبير بين مساءلة المسؤول عن أدائه، وبين التشكيك في أهليته لمجرد أنه شاب أو امرأة أو لأنه ينتمي إلى تجربة سياسية لا تحظى برضا بعض الخصوم.
إن الحكومة الجديدة، ورئيستها، ووزراءها، ليسوا فوق النقد، ولن تكون شرعيتهم السياسية والتنظيمية بديلا عن المحاسبة على النتائج، فالمعيار الحقيقي لأي مسؤول هو ما سيقدمه من حلول، وما سيحققه من إنجازات، ومدى قدرته على الاستجابة لانتظارات المغاربة في التشغيل والصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية.
لكن الإنصاف يقتضي كذلك ألا نحاكم التجارب قبل انطلاقها، وألا نختزل الكفاءة في السن أو النوع الاجتماعي أو الخلفية التنظيمية، وألا نجعل من الاختلاف السياسي مبررا لمصادرة حق الآخرين في الفرصة.
فليس المطلوب أن نصفق للحكومة لأنها تضم شبابا ونساء، بل أن نمنح هؤلاء حقهم في التقييم العادل، وأن نحاسبهم على أدائهم لا على الصور النمطية والأحكام المسبقة.
وفي النهاية، فإن تجديد النخب لا يتحقق بإقصاء الوجوه القديمة فقط، ولا بمجرد تغيير الأسماء داخل المؤسسات، وإنما بفتح المجال أمام كفاءات جديدة، ومنحها فرصة حقيقية لإثبات قدرتها على التدبير والإنجاز، أما أن نطالب بالتغيير عندما نكون خارج مواقع القرار، ثم نرفضه عندما يأتي بوجوه لا تنسجم مع حساباتنا السياسية، فذلك ليس دفاعا عن الديمقراطية، بل ازدواجية في الخطاب والممارسة.
فالإنصاف ليس دفاعا عن الأشخاص، بل دفاع عن مبدأ تكافؤ الفرص، واحترام المسارات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.



قم بكتابة اول تعليق