متابعة: مصطفى عياش
لم يعد السؤال في المغرب مرتبطاً بنتائج الانتخابات التشريعية فقط، بعدما أفرز اقتراع 23 شتنبر تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً.
لكن الانتقال من نتائج الاقتراع إلى تشكيل الحكومة تحكمه قاعدة دستورية واضحة. فالفصل 47 من الدستور ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، كما ينص على أن أعضاء الحكومة يعينهم الملك باقتراح من رئيسها.
وبذلك، ينتقل المشهد السياسي إلى مرحلة جديدة عنوانها: من سيقود الحكومة المقبلة، وبأي تركيبة ستواجه الملفات الكبرى للمغرب؟
في واجهة النقاش يبرز اسما فاطمة الزهراء المنصوري وفوزي لقجع، لكل واحد منهما مسار مختلف. المنصوري راكمت تجربة سياسية وحزبية وحكومية، بينما يأتي لقجع من مسار يجمع بين المسؤولية الحكومية والخبرة في المجال المالي، إلى جانب حضوره في تدبير كرة القدم الوطنية والملفات المرتبطة بالاستحقاقات الرياضية الكبرى.
غير أن اختيار رئيس الحكومة لا يتعلق بالاسم وحده، بل بطبيعة المرحلة التي ستتولى فيها الحكومة المقبلة مسؤولياتها.
في مقدمة الملفات الاستراتيجية يوجد ملف الصحراء المغربية، الذي يشهد تطورات متواصلة على المستوى الأممي. فقد مدد مجلس الأمن، بموجب القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، ولاية بعثة المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026، وأكد دعمه لجهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي في تيسير المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي تقبله الأطراف.
وتكتسب هذه المحطة أهمية خاصة بالنسبة للحكومة المقبلة، لأن تدبير المرحلة لن يكون منفصلاً عن الحضور الدبلوماسي والسياسي للمغرب في هذا الملف، وعن مواصلة الدفاع عن المواقف الوطنية داخل المؤسسات الدولية وفي العلاقات الثنائية.
ومن هنا يطرح السؤال حول مواصفات رئيس الحكومة القادر على الجمع بين تدبير الشأن الداخلي والتعامل مع الملفات الاستراتيجية ذات الامتدادات الخارجية.
المرحلة المقبلة ستضع أيضاً العلاقة بين الحكومة ومجلس النواب أمام اختبار جديد، خصوصاً في ظل تركيبة برلمانية أفرزتها الانتخابات الأخيرة.
فرئيس الحكومة لا يشتغل داخل الأغلبية وحدها، بل أمام مؤسسة دستورية تضطلع بالتشريع ومراقبة العمل الحكومي، بما يجعل التواصل المؤسساتي مع مختلف الفرق، بما فيها المعارضة، عنصراً أساسياً في تدبير الولاية التشريعية.
وهنا ستبرز قدرة رئيس الحكومة المقبل على التواصل والإقناع، وعلى بناء علاقة سياسية ومؤسساتية مع البرلمان تسمح بتدبير الملفات الكبرى في أجواء من الحوار والمسؤولية، بعيداً عن منطق الصدام الدائم.
ومن الملفات التي ستطرح نفسها أيضاً طبيعة الحكومة المقبلة وتركيبتها. فالفصل 47 يمنح رئيس الحكومة، من خلال اقتراح أعضاء الحكومة، دوراً في بناء الفريق التنفيذي، مع بقاء التعيين من اختصاص الملك.
وهذا يفتح المجال أمام تركيبة تجمع بين التمثيلية السياسية والكفاءات المتخصصة، خصوصاً في القطاعات التي تتطلب خبرة دقيقة في ملفاتها.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار تجربة ناصر بوريطة في المجال الدبلوماسي، باعتباره راكم مساراً مؤسساتياً ودبلوماسياً طويلاً وتولى تدبير ملفات خارجية استراتيجية.
كما ستظل حقيبتا الداخلية والعدل من القطاعات ذات الحساسية المؤسساتية، بالنظر إلى ارتباط اختصاصاتهما بسير مؤسسات الدولة وتطبيق القانون، وهو ما يجعل اختيار الأسماء التي ستتولى هذه القطاعات من بين القرارات التي ستخضع لمتابعة سياسية وإعلامية واسعة.
السؤال المطروح لا يختزل في اسم رئيس الحكومة فقط، بل يمتد إلى شكل الحكومة المقبلة، وطبيعة الفريق الذي سيقودها، وقدرته على التعامل مع الملفات الداخلية والخارجية في مرحلة تتقاطع فيها التحولات السياسية مع ملفات استراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.
وبعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات بـ97 مقعداً، وفق النتائج النهائية المعلنة، أصبح الفصل 47 هو الإطار الدستوري الذي ستتحرك داخله مشاورات المرحلة المقبلة، فيما يبقى اسم رئيس الحكومة قراراً ملكياً وفق المقتضيات الدستورية.
السؤال يبقى مفتوحاً: هل يكون الاختيار من بين الأسماء المتداولة، وفي مقدمتها فاطمة الزهراء المنصوري وفوزي لقجع، أم أن المرحلة ستفرز اسماً آخر من داخل الحزب المتصدر؟

قم بكتابة اول تعليق