بين الاختصاصات والحياد: نقاش حول تسيير المراكز الثقافية المنجزة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية

أثارت مراسلة والي جهة الشرق إلى رئيس جماعة وجدة بشأن توقيف أنشطة المراكز السوسيو-ثقافية المنجزة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، نقاشاً هادئاً حول حدود الاختصاصات ومبدأ الحياد في تدبير المرافق العمومية. القضية، في جوهرها، ليست صراعاً شخصياً، بل تذكير بضرورة التمييز بين ما يدخل في صلاحيات المجلس الجماعي وما يخضع لمنظومة خاصة مرتبطة ببرنامج وطني.

من الناحية القانونية: أين تكمن الحدود؟

وفق القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، تتمتع الجماعات الترابية باختصاصات ذاتية في مجال التنشيط الثقافي والرياضي والاجتماعي، بما في ذلك إحداث وتدبير وصيانة المرافق الثقافية. كما أن رئيس المجلس الجماعي يملك صلاحيات تنفيذية واسعة في هذا المجال.

غير أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، باعتبارها برنامجاً وطنياً ذا طبيعة خاصة، تخضع لحكامة محددة تتضمن لجاناً تقنية وإقليمية ومحلية، وغالباً ما تُنجز المشاريع في إطار اتفاقيات شراكة أو تفويض تدبير. هذا الوضع يجعل تسيير هذه المراكز لا يخضع بالكامل للقرار المنفرد لرئيس الجماعة، خاصة إذا تعلق الأمر بتوقيف برامج مستمرة أو أنشطة ممولة في إطار البرنامج الوطني.

من جهة أخرى، يملك الوالي، بصفته ممثلاً للسلطة المركزية، دوراً رقابياً (Tutelle) يخوله التدخل لضمان احترام القانون ومنع أي تجاوز للاختصاصات أو توظيف غير ملائم للمرافق العمومية.

في هذا السياق، يبدو أن التنبيه الذي وجهه الوالي يستند إلى مبدأ أساسي: المرافق المنجزة في إطار برنامج وطني لا تُدار بمنطق الاختصاص الحصري للجماعة وحدها، بل تخضع لقواعد خاصة تضمن استمراريتها وخدمتها للصالح العام بعيداً عن أي توقيت سياسي.

النقاش السياسي: الحياد أم التوظيف؟

تطرح هذه الحادثة سؤالاً أعمق يتجاوز الجانب الإداري: هل لا يزال من الضروري، في ظل أزمة المشاركة السياسية والفكر المقاطع الذي يسود جزءاً من المجتمع المغربي، الحفاظ على حياد صارم للمراكز الثقافية والسوسيو-ثقافية؟

من جهة، يرى البعض أن توقيف الأنشطة «تحسباً للاستحقاقات الانتخابية» قد يُفهم كإجراء وقائي لمنع أي توظيف انتخابي لهذه المرافق، وهو ما ينسجم مع مبادئ الحياد الإداري المنصوص عليها في القوانين الانتخابية. فالمرافق العمومية ليست ملكاً لأي جهة سياسية، ويجب أن تبقى فضاءً مفتوحاً للجميع.

ومن جهة أخرى، يطرح السؤال نفسه بقوة: هل يخدم الحياد المطلق، في سياق عزوف شبابي ومجتمعي واسع عن المشاركة السياسية، مصلحة المجتمع؟

المراكز الثقافية يمكن أن تكون فضاءات للحوار والتكوين المدني والنقاش العمومي، بشرط أن تُدار بطريقة شفافة وغير منحازة. تحييدها الكامل قد يحرمها من دورها في مواجهة أزمة الثقة والمشاركة، بينما توظيفها سياسياً يُفقدها مصداقيتها.

الإشكال الحقيقي إذن ليس في «توقيف الأنشطة» أو استمرارها، بل في غياب قواعد واضحة ومتفق عليها تحدد متى وكيف يمكن لهذه المرافق أن تساهم في الحياة الثقافية والمدنية دون أن تتحول إلى أدوات انتخابية.

نحو نقاش هادئ ومؤسساتي

إن مثل هذه الحوادث تفتح الباب أمام حاجة ماسة إلى توضيح الإطار القانوني والتنظيمي لتدبير المرافق المنجزة في إطار البرامج الوطنية، خاصة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. كما تطرح تساؤلاً جوهرياً حول التوازن بين مبدأ الحياد وضرورة جعل المرافق العمومية فضاءات حية تساهم في إعادة بناء الثقة والمشاركة.

في النهاية، لا يكمن الحل في التصعيد أو الاتهامات المتبادلة، بل في تعزيز الحوار المؤسساتي بين السلطات الإقليمية والمنتخبين، ووضع قواعد واضحة تضمن استمرارية الخدمات العمومية مع احترام مبادئ الحياد والشفافية.

المرافق الثقافية ليست ملكاً لأحد، بل أداة لخدمة المجتمع ككل.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*