شكلت النسخة الخامسة عشرة من تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 محطة هامة لتسليط الضوء على التحولات العميقة في عادات استهلاك الخبر في المغرب، كواحد من 48 سوقاً عالمياً شملتها الدراسة. ويعكس التقرير وضعية مجتمع مغربي يبتعد تدريجياً عن الوسائط التقليدية ليرتمي في أحضان المنصات الرقمية وصناع المحتوى.
منهجية دقيقة لرصد الواقع المغربي : اعتمد التقرير في رصده للحالة المغربية على استطلاع رأي أجري عبر الإنترنت في نهاية يناير وبداية فبراير 2026، شمل عينة من 2000 مشارك. وتم وزن هذه البيانات لتعكس بدقة تركيبة السكان المغاربة الذين لديهم ولوج إلى الإنترنت من حيث السن، الجنس، والمنطقة الجغرافية، مما يجعله مرجعاً أساسياً لفهم سلوك “المواطن الرقمي” في المملكة.
هيمنة الفيديو ومنصات التواصل : تتماشى حالة المغرب مع التوجه العالمي الذي يشير إلى أن غالبية الجمهور في جميع الأسواق الـ 48 باتت تشاهد أخبار الفيديو عبر الإنترنت أسبوعياً. ولم يعد المغاربة ينتظرون نشرات الأخبار التلفزيونية أو النسخ الورقية، بل أصبحوا يفضلون المنصات الخارجية (Third-party platforms) مثل يوتيوب، تيك توك، وإنستغرام للوصول إلى المعلومة. هذا التحول جعل المنصات تتفوق لأول مرة على المواقع الإخبارية الرسمية في قدرتها على جذب الانتباه وتشكيل الوعي العام.
صعود “المؤثرين” وتحدي الثقة: في المغرب، كما في بقية الأسواق الناشئة، برز دور صناع المحتوى والمؤثرين كبدائل للمؤسسات الإعلامية التقليدية. حيث يشير التقرير إلى أن ربع الجمهور العالمي (27%) يحصل على أخباره من هؤلاء الأفراد، وهو توجه يجد صدى كبيراً في السوق المغربية حيث يُنظر إلى هؤلاء الصناع على أنهم أكثر “تسلية” وقدرة على “تبسيط” القضايا المعقدة مقارنة بالصحافة التقليدية. ومع ذلك، يظل هذا التحول محفوفاً بمخاطر تراجع الثقة، حيث سجل التقرير أدنى مستويات الثقة بالأخبار عالمياً (37%)، وهو ما يضع الإعلام المغربي أمام تحدي استعادة المصداقية في بيئة مشبعة بالمعلومات المضللة.
الذكاء الاصطناعي: الوافد الجديد: لم يغفل التقرير الإشارة إلى تزايد استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي (AI Chatbots) للوصول إلى الأخبار، حيث وصلت النسبة إلى 10% عالمياً، وترتفع بشكل ملحوظ بين فئة الشباب دون 35 عاماً (16%). هذا المعطى يشير إلى أن الجمهور المغربي الشاب بدأ بالفعل في استكشاف طرق غير تقليدية وغير خطية للحصول على المعلومات، مما يفرض على الناشرين المغاربة ضرورة الابتكار التكنولوجي للبقاء في المنافسة.
خلاصة : يؤكد تقرير 2026 أن المغرب ليس استثناءً من “الموجة الثانية” للتحول الرقمي المدفوعة بالفيديو والذكاء الاصطناعي. فالمستهلك المغربي أصبح أكثر تطلباً، يميل إلى المحتوى البصري، ويثق بشكل أكبر في الشخصيات التي يتابعها عبر المنصات، مما يضع المؤسسات الإعلامية الوطنية أمام ضرورة مراجعة نماذجها التحريرية والاقتصادية لمواكبة هذا التغيير الجذري.
قم بكتابة اول تعليق