نزيف “باب سبتة”.. تقرير حقوقي يكشف عمق الأزمة الاجتماعية وخيارات “الانتحار الجماعي” للشباب

الفنيدق –

خلف هدوء مدينة الفنيدق المائل للحذر، لا تزال أصداء “الزحف الجماعي” نحو معبر باب سبتة المحتلة تثير تساؤلات حارقة حول واقع الشباب المغربي ومستقبل سياسات الهجرة. وفي تقرير أولي أصدرته العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، عقب مهمة استطلاعية ميدانية (بين 31 يوليو و2 غشت 2026)، تم رسم صورة قاتمة للأوضاع الإنسانية والاجتماعية التي حولت المعبر الحدودي إلى مسرح لـ”نزيف بشري” غير مسبوق.

أرقام الصدمة وجدل “الرواية المفقودة”

بينما تشير تقارير إسبانية إلى محاولات طالت نحو 60 ألف شخص لاجتياز السياج الحدودي، سجلت البعثة الميدانية فوارق شاسعة في حصيلة الضحايا وسط غياب تام للمعطيات الرسمية المغربية المفصلة. ونقل التقرير عن مصادر ميدانية متطابقة أن المستشفيات المغربية بالمنطقة استقبلت 32 حالة وفاة، في حين تحدثت وكالة فرانس برس عن 72 وفاة على الأقل في الجانب الآخر.

هذا التضارب في الأرقام، رافقه تسجيل إصابة أكثر من 400 شخص بإصابات وحالات إعياء واختناق، فضلاً عن خسائر مادية طالت ممتلكات المواطنين بعد احتراق 9 سيارات خاصة و17 دراجة نارية في محيط المعبر.

ما وراء “الحريك”: اليأس كدافع بنيوي

لم يكن الدافع نحو الهجرة مجرد رغبة عابرة، بل وصفه التقرير بكونه نتيجة لـتفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وانسداد الآفاق. ورصد موفدو العصبة من خلال الاستماع للشباب أن:

  • البطالة المستشرية وصعوبة الولوج للشغل اللائق هي المحرك الأساسي.
  • الشعور بـفقدان الأمل في الاندماج داخل البلاد بات يهيمن على فئات واسعة، بما في ذلك النساء والأطفال وحتى الرضع.
  • غياب الحماية الاجتماعية وضعف الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والعيش الكريم حول الهجرة إلى “خيار اضطراري”.

مشاهد قاسية وظلال “العنف”

التقرير لم يكتفِ برصد الدوافع، بل وثق مشاهد إنسانية قاسية؛ من مجموعات مهاجرين في حالة إنهاك تام تحت حراسة عسكرية مشددة في سبتة، إلى مزاعم باستعمال العنف من طرف بعض عناصر قوات التدخل. وأشار التقرير بوضوح إلى فيديو يوثق قيام عنصر من القوات المساعدة بقذف شاب بصخرة، فيما وصفه التقرير بفعل ينم عن “نية إجرامية” أكثر منه تدخلاً لاستتباب الأمن.

وفي الجانب الآخر، رصد مندوب العصبة بسبتة المحتلة تقاطر وفود من اليمين المتطرف، مما ينذر بمواجهات وعنف عنصري ضد المهاجرين وسكان المدينة ذوي الأصول المغربية.

نقائص في التقرير: فجوات المعلومات الرسمية

رغم الجهد الميداني، أقر التقرير بوجود “ثقوب سوداء” في المعلومات نتيجة “صمت” المسؤولين أو عدم تخويلهم بالتصريح بالمعطيات. ومن أبرز الجوانب التي لم يحسمها التقرير أو لم يتطرق إليها بعمق:

  1. هويات الضحايا والمفقودين: غابت قوائم الأسماء والجنسيات، مما ترك العائلات في حيرة.
  2. مصير المبعدين: تم توثيق نقل المرشحين عبر 51 حافلة نحو مدن أخرى “لتخفيف الضغط”، لكن وضعهم القانوني والحقوقي بعد ذلك ظل غامضاً.
  3. المحاكمات: لم يتم التفصيل في طبيعة التهم الموجهة للموقوفين وظروف احتجازهم.

نحو مقاربة تتجاوز “الهواجس الأمنية”

خلصت العصبة المغربية إلى أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت أهميتها، تظل “غير كافية” لعلاج جذور الأزمة. ودعت في توصياتها إلى:

  • فتح تحقيق قضائي مستقل في الوفيات وحالات الاختفاء.
  • إطلاق برامج استعجالية للتشغيل خاصة في الأقاليم الشمالية لاستعادة الثقة المفقودة.
  • دعوة الحكومة الإسبانية للتحقيق في الاعتداءات العنصرية داخل سبتة المحتلة.

يبقى مشهد الزوارق الإسبانية التي تجوب الحدود البحرية، والخطوط العائمة الجديدة، صورة مصغرة لأوروبا التي تتحصن خلف جدرانها، في مواجهة شباب يرى في البحر ملاذه الأخير من واقع يضيق به ذرعاً.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*