في قلب الظلام، في زاوية منحرفة بمقهى بحي لازاري بوجدة، على بعد مئات الكيلومترات من الحدود الشمالية، وأنا أحدق في شاشة الهاتف التي ترتجف بين يدي مثل قلب مريض، وأنا اشعر انني أشرب لاول مرة شايا مرا كطعم الخيانة حين جاءني الخبر كطعنة بطيئة: عزيز أخنوش طار. الرجل الذي يفترض أن يكون في خندق الأزمة، طار إلى مايوركا. إلى جزيرة الشمس واليخوت والفنادق ذات الأربعة مواسم، حيث الرمال ناعمة كوعود السياسيين الكاذبة، والموج يغسل أقدام الأثرياء بدلاً من جثث الغرقى.
في هذه الزاوية المعتمة حيث رائحة الشاي تختلط بغبار الحدود الجزائرية القريبة، وزملائي في الفنيدق وطنجة يرسلون لي رسائل متقطعة مليئة بالذعر… الجثث، الآلاف الراكضين نحو السياج، صراخ الأمهات، والبحر الذي يبتلع الشباب كأنهم حطام سفينة قديمة.
يا إلهي، أي مشهد سريالي هذا؟
أمس فقط، في حفل الولاء، كان يقف هناك تحت شمس الشمال الحارقة، يبتسم للملك، يمد يده بالبيعة، بينما الخطاب الملكي يرن في الآذان مثل جرس إنذار بعيد: “الحكومة القادمة ستكون جديدة… دورة تنموية جديدة بعد الانتخابات”. ثم، فور انتهاء التصفيق، يقفز أخنوش إلى طائرته الخاصة، تلك الآلة الفضية اللامعة التي تمولها إمبراطورية الغاز والنفط الخاصة به، ويختفي في سماء إسبانيا. إلى فورمنتور، حيث الفيلات البيضاء تطل على بحر أزرق صافٍ، لا يشبه البحر الأسود الذي يبتلع في نفس التوقيت أبناء وطنه الآن.
تخيل المشهد معي، هنا، على الجانب المغربي، آلاف الشباب يركضون نحو السياج، عيونهم محمومة بوعود زائفة على تيك توك، أجسادهم النحيلة تتكسر على الصخور أو تغرق في التيارات. ثمانون جثة، مئة، من يحصي؟ الأرقام تتراقص مثل أشباح في تقارير الداخلية والإسبان. رائحة الموت تختلط بغبار الحدود، والأمهات يولولن في الفنيدق، والشرطة تعيد المئات تحت وابل من الشتائم.
وفي الجهة الأخرى من المتوسط، في مايوركا، يجلس سيدنا الرئيس على كرسي من الخيزران، ربما يحتسي كوكتيلًا باردًا، ينظر إلى الأفق حيث لا يوجد غرقى، فقط سياح أوروبيون يضحكون. “عطلة صيفية”، يقولون. عطلة؟ في عز “الخميس الأسود”، بينما البلاد تنزف هجرة جماعية تفضح كل شيء: الفقر، اليأس، الفجوة الهائلة بين من يحكمون ومن يُحكمون.
يا للهول، أي رد فعل هذا؟ الخطاب الذي تحدث عن “حكومة جديدة” بعد الانتخابات، وعن منجزات هي ثمرة مخططات استراتيجية تتجاوز عمر أي حكومة، كان يبدو كمرآة قاسية. كأنما يقول إن ما تحقق ليس ملكاً لهذه الحكومة وحدها، بل أكبر منها، أعمق، أطول عمراً.
فهل كانت العطلة في مايوركا رداً غير محتشم على هذا التقييم؟ هروباً من الاعتراف بأن الدور الحكومي مجرد حلقة في سلسلة أطول؟ أم مجرد استهتار رجل يرى الأزمة من ارتفاع عشرة آلاف متر، بينما زملائي على الأرض يصفون لي كيف يغرق الشباب واحداً تلو الآخر؟
هذا ليس مجرد سفر. هذا هروب وجودي. هروب من رائحة الجثث، من صراخ المعارضة التي تطالب بتحقيق، من عيون الشعب التي تحدق في الفراغ . أخنوش، الرجل الذي بنى ثروته على الطاقة، يترك البلاد في ظلام دبلوماسي مع إسبانيا، ويذهب ليستحم في نور المتوسط الإسباني. وكأن الأزمة ليست سوى إزعاج بسيط في جدول أعماله الفخم…. وكأن البلاد ليست سوى خلفية بعيدة في فيلم لا يعنيه.
ثم، بعد أقل من يومين، يعود… بعد تصحيح لمساره بأمر ملكي، كما تقول الشائعات الإسبانية. كأن أحداً أدرك أن الصورة فضيحة لا تُحتمل: رئيس حكومة يتنزه على شاطئ أجنبي بينما مواطنوه يموتون على الحدود.
حاولت، لكنني لم أستطيع أن أكون موضوعيًا. الموضوعية كذبة يبيعها الإعلام الرسمي. أنا هنا، في هذا المستنقع، أرى حقيقة عارية: حكومة تختفي في اللحظات الحرجة. الخطاب الملكي يعد بـ”حكومة جديدة”، وأخنوش يطير كأنما يؤكد النبوءة بنفسه. هل هو استهتار؟ أم ثقة مفرطة بأن العرش سيغطي العورات؟ أم مجرد رجل غني يرى الأزمة من نافذة طائرة خاصة، بعيدة جدًا عن الوحل؟
في هذا الظلام القاتم الذي يغلف وجدة الليلة، وأنا أمسح عرق يدي على الشاي البارد، أشعر بأن المسافة بيني وبين الشمال ليست جغرافية فقط. هي مسافة بين من يجلس في المقهى يتابع الكارثة عبر الهاتف، وبين من يطير فوقها. زملائي في الفنيدق يقولون إن الرائحة هناك لا تُحتمل، رائحة الملح والموت والغضب. وأنا هنا أتساءل: هل كانت تلك العطلة مجرد استراحة؟ أم رد فعل فج على جملة في خطاب جعلت الحكومة تبدو أصغر مما كانت تظن؟
الليل يطول في لازاري، والهاتف ما زال يرتجف برسائل جديدة من الشمال. المغرب يغرق في موجة هجرة جماعية، والحكومة كانت… في مايوركا.
انتهى.
أطفئ الشاشة.
فالظلام هنا، في وجدة، أصبح أثقل من أن يُحتمل.
تحياتي – عبدالعالي الجابري
قم بكتابة اول تعليق