ميزانية المغرب 2027: حين تتحدث “الدولة” بصوت الحكومة

في الوقت الذي تضج فيه منصات التواصل الاجتماعي بنسخة “مسربة” من منشور إعداد ميزانية 2027، وهي نسخة يلفها الكثير من الغموض نظراً لعدم وضوح “لوغو” المملكة المغربية في تداولاتها الرقمية، ومع تأكيد عدم صدورها رسمياً في القنوات المعهودة حتى الآن، يبرز مضمون الوثيقة كأداة سياسية بامتياز تتجاوز مجرد الحسابات الرقمية.

إنها وثيقة تحاول صياغة “صك براءة” سياسي، أو ربما “خارطة طريق” لما بعد الحكومة الحالية، مغلّفة بلغة تركز بشكل غير مسبوق على استمرارية الدولة ومرجعياتها الملكية.

في ظل “العرش”: الهروب إلى المرجعية

لا يحتاج قارئ المنشور لجهد كبير ليدرك أن الحكومة الحالية، وهي في أمتارها الأخيرة، تحاول “الاحتماء” بالمظلة الملكية بشكل مكثف. ففي كل فقرة تقريباً، يتم ربط المبادرات بـ “التوجيهات الملكية السامية”. هذا النفس التبريري قد يُقرأ كاستدراك للنقد الذي وُجه للأداء الحكومي في خطاب العرش الأخير، حيث تلاشت الحدود سابقاً بين “المشاريع الملكية الاستراتيجية” و”الإنجازات الحكومية العرضية”.

الوثيقة تؤكد منذ ديباجتها أن المسار التنموي هو ثمرة لـ “رؤية ملكية متبصرة” تمتد لـ 27 سنة، وليست نتاج عبقرية إدارية لحظية. وبدلاً من تسويق الميزانية كبرنامج حزبي، تُقدمها الوثيقة كحلقة في سلسلة “توطيد ركائز الدولة الاجتماعية”، وهو مفهوم أكد المنشور أنه تبلور منذ خطاب العرش لعام 2009، مما يسحب البساط من تحت أي ادعاء حكومي بملكية هذا المشروع.

الزمن الحكومي مقابل زمن الدولة

تأتي ميزانية 2027 في لحظة مفصلية؛ فهي تُعدّ في وقت تستعد فيه البلاد لانتشخابات 2026، وهو ما يفسر تركيز المنشور على “الاستقرار السياسي والمؤسسي” كأهم رأسمال للمغرب.

الحكومة هنا لا تضع ميزانية لسنة عادية، بل تضع “كتيب تعليمات” لمن سيلحقها، مؤكدة أن الأوراش الكبرى -من الحماية الاجتماعية إلى الاستعداد لمونديال 2030- هي التزامات “دولة” عابرة للحكومات.

وعلى غير عادة الخطاب السياسي المتفائل للفاعلين الحزبيين، تتبنى الوثيقة لغة “الدولة” الصارمة في الدعوة إلى “عقلنة النفقات” و “الاستدامة المالية”.

الهدف المعلن هو تقليص العجز إلى 3% بحلول 2026، وهو رقم يبدو كهدية ملغومة أو “تركة ثقيلة” تتطلب انضباطاً قد لا يروق للوعود الانتخابية القادمة.

أوراش السيادة: الماء والطاقة والمونديال

يتضح من المنشور أن الأولويات ليست محل تفاوض سياسي؛ فـ الأمن المائي، الذي خُصصت له ميزانيات ضخمة لتحلية المياه والربط بين الأحواض، يُطرح كقضية وجودية تقودها الدولة بعيداً عن التجاذبات. وكذلك الأمر بالنسبة لـ “ميثاق الاستثمار الجديد” و “الهيدروجين الأخضر”، وهي ملفات يتم تقديمها بوصفها روافع للسيادة الوطنية الاقتصادية.

حتى في ملف السكن، يشدد المنشور على أن برنامج “الدعم المباشر” هو تنفيذ لتوجيهات ملكية سامية تهدف لتعزيز القدرة الشرائية، في تأكيد متكرر على أن “المصدر” واحد وإن تعددت “الأيدي” المنفذة.

الخلاصة: الميزانية كعقد استمرارية

إن “ضبابية اللوغو” في النسخة المتداولة قد تكون استعارة دقيقة للحالة السياسية الراهنة؛ حيث تحاول الحكومة الحالية توضيح صورتها عبر التماهي الكامل مع مشاريع الملك.

ميزانية 2027، كما يصورها المنشور، ليست بياناً ختامياً لولاية حكومية، بل هي إعلان ولاء للمسار الاستراتيجي للدولة.

في النهاية، يبدو أن الرسالة المشفرة بين أسطر هذه الوثيقة هي: “الحكومات تذهب، ولكن الدولة والتزاماتها الكبرى باقية”. وبذلك، يتحول منشور 2027 من وثيقة محاسباتية إلى وثيقة تأمين سياسي تضمن ألا تنحرف البوصلة عن “المذهب الاستراتيجي الواضح” الذي رسمه الملك، بغض النظر عن هوية من سيجلس على كراسي الوزارة في خريف 2026.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*