يقول مونتسكيو في كتابه «روح الشرائع» إن الحرية السياسية لا توجد إلا في الحكومات المعتدلة، حيث لا يُخشى إساءة استعمال السلطة، وحيث يقوم النظام على توازن بين القوى المختلفة. فالحرية، عنده، ليست مجرد غياب القيود، بل هي «الحق في فعل كل ما تسمح به القوانين».
وهذا التعريف يفترض مسبقاً وجود إطار مؤسساتي يحدد لكل فاعل سياسي موقعه وحدوده، بحيث لا يستطيع أحد أن يحتكر السلطة أو يدّعي تمثيل الدولة بمفرده.
في هذا السياق، يكتسب بلاغ حزب العدالة والتنمية الأخير دلالة تتجاوز الرد السياسي اليومي. فالحزب لم يكتفِ بالدفاع عن مواقفه أو قياداته، بل خصص حيزاً مهماً للتأكيد على احترامه للثوابت الوطنية ولمقتضيات الدستور ولمكانة المؤسسات. هذا التأكيد المتكرر ليس ترفاً خطابياً، بل هو استجابة ضرورية لتحول في طبيعة النقاش العمومي نفسه.
عندما ينتقل النقاش السياسي من الخلاف حول السياسات العمومية والحصيلة الحكومية إلى التشكيك في شرعية المعارضة ذاتها، أو إلى تأويل كل انتقاد للحكومة على أنه طعن في الدولة أو في مؤسساتها، فإننا نكون أمام انزياح خطير. هذا الانزياح يهدد التمييز الجوهري الذي تقوم عليه الديمقراطية الدستورية بين الحكومة باعتبارها فاعلاً سياسياً مؤقتاً قابلاً للمحاسبة والتغيير، وبين الدولة باعتبارها إطاراً مؤسساتياً دائماً يجمع كل الفاعلين.
مونتسكيو كان واضحاً في هذه النقطة: الاستبداد يبدأ حين يختلط الشخص بالمنصب، والحكومة بالدولة. ففي الأنظمة المعتدلة، يظل الملك أو رئيس الدولة فوق الصراعات الحزبية، بينما تبقى الحكومة والبرلمان والمعارضة داخل دائرة التنافس السياسي المشروع. أما حين يُصوَّر كل نقد للسياسات الحكومية على أنه خروج على الثوابت أو تهديد للمؤسسات، فإن المجال السياسي يضيق، ويصبح التوازن الذي تحدث عنه مونتسكيو مهدداً.
ما فعله بلاغ العدالة والتنمية، في جوهره، هو محاولة إعادة رسم هذه الحدود. فالحزب يقول، بلغة واضحة: «نحن نعارض الحكومة، لا الدولة. ننتقد السياسات، لا المؤسسات. نسائل المسؤولين، لا الثوابت». هذا التمييز ليس مجرد مناورة تكتيكية، بل هو شرط أساسي لاستمرار اللعبة الديمقراطية. لأن الديمقراطية لا تتحمل أن يتحول الاختلاف في الرأي إلى خلاف حول قواعد اللعبة ذاتها.
في المراحل التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية الكبرى، تشتد الحاجة إلى هذا التمييز. فالمنافسة السياسية لا تقتصر حينها على البرامج والأرقام، بل تمتد إلى «الصورة المؤسساتية» لكل حزب. وكل طرف يسعى إلى أن يظهر نفسه بوصفه «الأكثر شرعية» داخل النسق. وهنا بالضبط يكمن الخطر: أن تتحول هذه المنافسة على الشرعية إلى محاولة إخراج الخصم من دائرة «الفاعلين المقبولين» داخل المؤسسات.
الرسالة الأعمق في البلاغ تتجاوز حزب العدالة والتنمية نفسه. إنها تذكير بأن قوة المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على إسكات المعارضة، بل بقدرتها على احتواء الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع على الشرعية. فالمؤسسات القوية هي تلك التي تسمح للمعارضة بأن تكون معارضة حقيقية، لا مجرد ديكور. والمعارضة المسؤولة هي تلك التي تدرك أن حقها في النقد مشروط بواجبها في احترام الإطار الدستوري الذي يمنحها هذا الحق.
إن الديمقراطية، كما يفهمها مونتسكيو، ليست نظاماً يقوم على الإجماع، بل على التوازن بين قوى متنافسة. وهذا التوازن لا يصمد إلا إذا ظل الجميع – حكومة ومعارضة – مقتنعين بأنهم يلعبون داخل ملعب واحد، وفق قواعد مشتركة. أما حين يبدأ أحد الأطراف في التشكيك في حق الآخر في الوجود داخل هذا الملعب، فإن اللعبة نفسها تصبح مهددة.
لذلك، فإن أهم ما في بلاغ العدالة والتنمية ليس ما قاله عن الحكومة، بل ما قاله عن نفسه: إنه حزب يرى نفسه جزءاً من البناء المؤسساتي للدولة، لا خصماً له. وهذا الإعلان، في لحظة استقطاب سياسي حاد، ليس ضعفاً، بل هو شرط ضروري لاستمرار الحوار الديمقراطي نفسه.
ختاما اقول أن الحرية السياسية، كما علّمنا أياها مونتسكيو، لا تنجو إلا حين يبقى كل فاعل في مكانه الطبيعي داخل التوازن المؤسساتي.
قم بكتابة اول تعليق