حين تصبح الشبهة سياسة عمومية: أي مستقبل للثقة في المدرسة المغربية؟

بقلم: مصطفى صغيري – دكتور في القانون العام والعلوم السياسية

“لا تُبنى الدول القوية بكثرة ما تراقب مواطنيها، بل بقدرتها على جعلهم جديرين بالثقة.”

في خضم الجدل الذي رافق امتحانات البكالوريا لهذه السنة، انشغل الرأي العام المغربي بسؤال يبدو في ظاهره تقنياً: 

هل نجحت أجهزة الكشف الذكية في الحد من ظاهرة الغش؟

غير أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً أعمق من ذلك بكثير.

فالقضية لا تتعلق بجهاز إلكتروني جديد، ولا بتقنية مستحدثة، ولا حتى بعدد حالات الغش التي تم ضبطها، القضية تتعلق بنموذج الدولة الذي يتشكل أمام أعيننا، وبطبيعة العلاقة التي نريد بناءها بين المؤسسة العمومية والمواطن، وبين المدرسة والتلميذ، وبين السلطة والثقة.

لقد قدمت الحكومة اعتماد أجهزة الكشف الذكية باعتباره إنجازاً نوعياً في مسار تحديث الامتحانات الوطنية، وتم تسويق هذه التجربة باعتبارها انتصاراً للتكنولوجيا في مواجهة الغش، لكن خلف هذا الخطاب التقني يختبئ سؤال سياسي ومؤسساتي بالغ الأهمية:

هل نعالج أزمة الغش، أم أننا ننقل المدرسة المغربية من منطق التربية إلى منطق الاشتباه؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة ليس ضعف إمكانياتها، بل فقدانها للثقة في الفئات التي وجدت من أجلها.

وحين تبدأ المدرسة في النظر إلى التلميذ باعتباره مشروع غشاش محتمل قبل أن يكون مشروع نجاح محتمل، فإننا نكون أمام تحول عميق في فلسفة الفعل التربوي.

فالمدرسة ليست فضاءً للمراقبة فقط، المدرسة فضاء لبناء الإنسان.

والامتحان ليس مجرد آلية تقنية للفرز، بل هو لحظة تربوية وأخلاقية تعكس صورة الدولة عن مواطنيها في طور التكوين.

لهذا السبب لا يمكن اختزال النقاش في فعالية جهاز أو نجاعة تقنية.

لأن المشكلة الحقيقية ليست في الجهاز، بل في الرسالة التي يبعثها.

وهي رسالة تقول، بشكل ضمني: “نحن لا نثق بما يكفي، لذلك سنراقب أكثر.”

لكن التجارب الدولية أثبتت أن المجتمعات لا تبنى بالمراقبة وحدها، فالثقة ليست نقيض الرقابة، لكنها شرط نجاحها، والرقابة التي لا تستند إلى الثقة تتحول تدريجياً إلى ثقافة عامة قوامها الخوف والاشتباه.

ومن هنا تبرز المفارقة الكبرى:

ففي الوقت الذي تعاني فيه المدرسة المغربية من تحديات بنيوية مرتبطة بجودة التعلمات، والاكتظاظ، والهدر المدرسي، وضعف جاذبية المدرسة العمومية، وأزمة القيم التربوية، اختارت الحكومة أن تجعل من أجهزة الكشف أحد أبرز عناوين الموسم الدراسي، وكأن أزمة التعليم في المغرب تكمن أساساً في نقص أدوات المراقبة.

إن الغش المدرسي ليس ظاهرة تقنية، إنه نتيجة لاختلالات اجتماعية وتربوية وثقافية أعمق.

فالتلميذ لا يفكر في الغش لأن جهازاً ما غير موجود، بل يفكر فيه عندما يضعف إيمانه بالاستحقاق، أو عندما يشعر أن النجاح لم يعد مرتبطاً دائماً بالجهد والكفاءة.

ولهذا فإن محاربة الغش الحقيقية لا تبدأ عند باب مركز الامتحان.

بل تبدأ داخل القسم.

وتبدأ في جودة التعليم.

وتبدأ في تكريس العدالة التربوية.

وتبدأ في إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية.

أما حين يتم اختزال الإصلاح في توسيع أدوات التفتيش والمراقبة، فإننا نكون أمام معالجة للنتائج بدل معالجة الأسباب.

إن الدول الواثقة من مؤسساتها تستثمر في بناء الضمير قبل بناء أجهزة الرصد.

وتستثمر في التربية قبل العقاب.

وتستثمر في صناعة المواطن قبل صناعة المراقبة.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس:

كم حالة غش تم ضبطها؟

بل:

كم تلميذاً خرج من الامتحان وهو يشعر بأن المؤسسة وثقت فيه؟

وكم تلميذاً غادر مركز الامتحان وهو مقتنع بأن المدرسة فضاء للإنصاف لا للارتياب؟

إن بناء الثقة ليس ترفاً أخلاقياً، بل هو شرط من شروط الاستقرار المؤسساتي.

فالدولة التي لا تثق في تلاميذها وهي تختبرهم، ستجد صعوبة في أن يثق فيها هؤلاء التلاميذ عندما يصبحون مواطنين بالغين.

ولذلك فإن النقاش الذي ينبغي أن نفتحه اليوم لا يتعلق فقط بوسائل محاربة الغش، وإنما يتعلق بفلسفة الحكامة التربوية برمتها.

هل نريد مدرسة تصنع مواطنين أحراراً ومسؤولين وواثقين من أنفسهم؟

أم نريد مدرسة تُطبع أجيالها على أن الأصل هو الشبهة، وأن الثقة استثناء؟

ذلك هو السؤال الحقيقي.

أما أجهزة الكشف، فليست سوى تفصيل صغير في نقاش أكبر يتعلق بمستقبل المدرسة المغربية ومستقبل العلاقة بين الدولة ومواطنيها.

لأن الأمم لا تُبنى بالخوف.

والمدارس لا تُصلح بالاشتباه.

والثقة، في نهاية المطاف، تظل أقوى من كل أجهزة المراقبة.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*