في الساعات الأولى من فجر الخميس 16 يوليو 2026، كانت مؤسسة الطفولة المسعفة في بلدية المحمدية شرق الجزائر العاصمة تغط في هدوء هش. خارج الجدران، كانت موجة حر شديدة تخنق المدينة، وداخل الغرف كان عشرات الأطفال – بعضهم أيتام، وبعضهم من ذوي الاحتياجات الخاصة – نائمين في أسرّتهم بعد يوم طويل. لم يكن أحد يتوقع أن يتحول هذا الهدوء في دقائق إلى كابوس من الدخان واللهب.
بدأ كل شيء بشرارة صغيرة. مكيف هواء معطل في إحدى الغرف، كان يعمل بلا توقف لمواجهة الحر الخانق، أطلق شرارة كهربائية أشعلت النيران. في غضون لحظات، تحولت الشرارة إلى لهب يلتهم الستائر والفرش والجدران. الدخان الكثيف، الأسود والخانق، بدأ يتسلل تحت الأبواب ويملأ الممرات قبل أن يستيقظ أحد.
كان الأطفال أول من شعر بالخطر. في غرفة نوم مشتركة، استيقظ طفل صغير على رائحة حارقة غريبة تملأ أنفه. فتح عينيه في الظلام، ورأى خيوطاً رمادية تتمايل فوق رأسه. صاح بصوت مرتجف: «دخان… دخان!» لكن صوته ضاع وسط أصوات أخرى بدأت تتعالى. في غرفة مجاورة، استيقظت فتاة في الثانية عشرة من عمرها على صراخ زميلتها. حاولت النهوض، لكن ساقيها كانتا ثقيلتين من النوم، والدخان يحرق عينيها. مدّت يدها تبحث عن يد أختها الصغرى في السرير المجاور، فوجدتها تبكي وتسعل بشدة.
الدراما بدأت تتصاعد بسرعة مرعبة. الأطفال، الذين لم يتجاوز بعضهم العاشرة، وجدوا أنفسهم فجأة في معركة حقيقية من أجل البقاء. لم تكن هناك أبواب طوارئ واضحة في الظلام، ولا مصابيح إضاءة طوارئ كافية. الدخان كان يخنق الحلق ويجعل التنفس مؤلماً. بعض الأطفال حاولوا الزحف على الأرض، حيث يكون الهواء أقل سخونة، كما تعلموا في دروس السلامة البسيطة. آخرون، رغم خوفهم الشديد، حاولوا مساعدة زملائهم الأصغر أو ذوي الاحتياجات الخاصة الذين كانوا يعانون أكثر.
في إحدى الغرف، حاول طفلان شقيقان – أحدهما يعاني صعوبة في الحركة – الوصول إلى النافذة. كان الدخان كثيفاً جداً حتى أنهما لم يريا بعضهما بوضوح. الطفل الأكبر سناً رفع أخاه على كتفيه، محاولاً الوصول إلى الشرفة الصغيرة. كان يسعل بشدة، وعيناه دامعتان، لكنه استمر في الدفع. عندما وصلا إلى الشرفة، وجدا أنفسهما محاصرين بين اللهب الذي بدأ يلتهم الإطار الخشبي والدخان الذي يتصاعد من الأسفل. وقفا هناك، يمسكان ببعضهما، يصرخان طلباً للنجدة، بينما كانت أجسادهما الصغيرة تتعرض للحرارة الشديدة والدخان السام.
في أماكن أخرى، كانت مشاهد أكثر إيلاماً. أطفال حاولوا فتح أبواب الغرف المغلقة، لكن الدخان كان يمنعهم من الرؤية. بعضهم حاول كسر النوافذ بأيديهم العارية، تاركين آثار دماء على الزجاج. فتاة صغيرة، لا تتجاوز التاسعة، حاولت سحب صديقتها المصابة بإعاقة حركية نحو المخرج، لكنها انهارت من شدة السعال. كان الصراخ يملأ المكان: أصوات أطفال ينادون أمهاتهم التي لم تعد موجودة، أو ينادون بعضهم بالاسم، في محاولة يائسة للبقاء معاً.
خارج المبنى، سمع الجيران أصوات الصراخ والنجدة. واحد منهم قال لاحقاً: «سمعت صراخ الأطفال يتعالى مع صوت المحركات… كان صوتاً لا يُنسى». وصلت فرق الحماية المدنية بسرعة، لكن الدقائق الثلاثين الأولى كانت كابوساً حقيقياً. استخدم رجال الإطفاء السلالم للوصول إلى الشرفات، حيث كان بعض الأطفال لا يزالون يقاومون، يمسكون بقضبان الحديد وهم يسعلون ويبكون. تم إنقاذ خمسة أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة بصعوبة بالغة، بعد أن حاصرهم الدخان في أماكنهم.
لكن ليس الجميع نجا من هذه المقاومة البطولية. أحد عشر شخصاً، بينهم أطفال، لم يتمكنوا من الخروج في الوقت المناسب. مات بعضهم مختنقين بالدخان قبل أن تصل إليهم النيران، وآخرون احترقوا وهم يحاولون الوصول إلى الشرفة أو المخرج. كانت أجسادهم الصغيرة شاهدة على دراما قاسية: أطفال حاولوا حماية بعضهم، وأطفال آخرون وقفوا على الشرفات ينتظرون النجدة التي جاءت متأخرة لبعضهم.
بعد السيطرة على الحريق، بدأت عمليات الإنقاذ والإسعاف. نُقل 19 مصاباً إلى المستشفيات، بعضهم بحروق خطيرة وبعضهم بصدمات نفسية عميقة. رئيس الوزراء زار المصابين، والرئيس عبد المجيد تبون أعرب عن حزنه على «الأطفال الذين فقدوا أرواحهم».
هذه الفاجعة لم تكن مجرد حريق. كانت مواجهة بين أجساد صغيرة بريئة وقوة طبيعية مدمرة – النار التي أججتها موجة حر استثنائية وخلل فني بسيط. الأطفال لم يختاروا هذه المعركة، لكنهم قاوموا بكل ما أوتوا من قوة: بالصراخ، بالزحف، بالمساعدة المتبادلة، وبالتمسك ببعضهم حتى اللحظة الأخيرة.
في عالم يزداد فيه تأثير التغيرات المناخية وموجات الحر، تبقى هذه القصة تذكيراً قاسياً بأن أضعف الفئات – الأطفال الأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة – هم الأكثر عرضة لمثل هذه الكوارث. دراما ليلة المحمدية ليست مجرد أرقام وإحصائيات، بل هي قصة أطفال صغار وقفوا في وجه اللهب، وحاولوا – بأيديهم الصغيرة وقلوبـهم الشجاعة – أن ينقذوا أنفسهم ومن يحبون.
اللهم ارحمهم رحمة واسعة، واشفِ المصابين، واجعل هذه الفاجعة سبباً في حماية أفضل لكل طفل في دور الرعاية.

قم بكتابة اول تعليق