وجدة: عندما يتحول التنقل اليومي إلى مغامرة تسرق الكرامة

في تدوينة مؤثرة نشرها صديقي هشام ميساوي على صفحته على فيسبوك، روى تجربته المريرة اليوم مع أزمة النقل الحضري في وجدة، واصفاً إياها بـ«مغامرة يومية» يضطر فيها المواطنون إلى ركوب الدراجات النارية للوصول إلى أعمالهم. كان هذا النص بمثابة صرخة تعكس معاناة مدينة بأكملها، وهو ما دفعني إلى التفاعل معه بهذا المقال، محاولاً توسيع الرؤية حول قضية تمس جوهر الحياة الحضرية في وجدة.

مع أول خيوط الضوء التي تلامس أسطح المنازل في وجدة، لا يبدأ اليوم بإيقاع هادئ أو لحظة تأمل، بل بسباق محموم ضد الزمن. آلاف الموظفين والعمال والطلبة والمرضى يخرجون من بيوتهم وهم يحملون سؤالاً واحداً: كيف سأصل إلى وجهتي اليوم؟

هذا ليس سؤالاً عابراً في مدينة الشرق المغربي، بل هاجس يومي يتحول تدريجياً إلى حالة وجودية. عندما يغيب النقل الحضري المنتظم، يصبح الوصول إلى العمل أو الجامعة أو المستشفى مغامرة محفوفة بالقلق والتكلفة والتأخير.

وفي هذا الفراغ، يظهر “الحل” الذي لا يُفترض أن يكون حلاً: الدراجات النارية التي تحولت إلى تاكسيات غير رسمية، يقودها مواطنون يملأون فراغاً لم يكن من المفترض أن يوجد أصلاً.

ليس المقصود هنا انتقاد هؤلاء السائقين كما اشار هشام في تدوينته. على العكس، هم يقدمون خدمة في ظل غياب بديل حقيقي. لكنهم يذكّروننا يومياً بأن منظومة النقل الحضري في وجدة وصلت إلى مرحلة حرجة، حيث أصبح الحق الأساسي في التنقل – ذلك الحق الذي يُفترض أن يكون بديهياً في أي مدينة حديثة – امتيازاً يُنتزع كل صباح.

الأزمة لا تتوقف عند حدود الحافلات الغائبة أو المتأخرة. إنها أزمة تمس الاقتصاد المحلي، والتحصيل الدراسي، والرعاية الصحية، والاستثمار، وحتى الصحة النفسية للسكان. كل دقيقة تُهدر في انتظار وسيلة نقل أو في التفاوض على سعر دراجة نارية هي دقيقة تُسرق من الإنتاجية، ومن وقت العائلة، ومن فرصة الاستمتاع بحياة حضرية لائقة.

المدينة التي كان يُفترض أن تكون بوابة ديناميكية نحو الشرق، تجد نفسها اليوم تختنق بأزمة تنقل تُعمّق الركود وتُضعف جاذبيتها.

ما يجعل هذا المشهد أكثر إيلاماً هو أنه ليس قدراً محتوماً. وجدة ليست مدينة صغيرة هامشية؛ إنها مركز أكاديمي وتجاري وثقافي يضم طاقات شابة ومؤسسات تعليمية واعدة. أن يُترك سكانها يعانون يومياً للوصول إلى أبسط حقوقهم يطرح أسئلة جوهرية حول الرؤية الحضرية والتخطيط والمساءلة.

كيف وصلنا إلى هنا؟ ولماذا يستمر هذا الوضع رغم الوعود المتكررة؟

الإجابة لا تكمن في حلول ترقيعية مؤقتة. زيادة عدد الدراجات أو تنظيمها بشكل أفضل قد يخفف الضغط قليلاً، لكنه لا يعالج الجرح العميق. ما تحتاجه وجدة هو نقاش عام شجاع وشامل يُحدد المسؤوليات بوضوح، ويُفعّل آليات المحاسبة، ويضع خطة استراتيجية حقيقية لنقل حضري آمن ومنتظم وكريم. نقل يليق بمدينة لها تاريخ وطموح.

هذا يتطلب تضافر إرادات صادقة: سياسي يضع مصلحة المدينة فوق أي اعتبار ضيق، فاعل جمعوي يدافع عن الحقوق بلا حسابات، إعلامي مهني يطرح الأسئلة التي يتهرب منها الآخرون، ونقابي يتحدث بلغة واضحة بعيداً عن الخطابات الخشبية. بدون هذا التضافر، ستظل الأزمة تتجدد كل صباح، وستظل وجدة تدفع ثمناً باهظاً في صمت.

اليوم، ليست معاناة شخص واحد هي التي تُروى عبر تدوينة على فيسبوك، بل معاناة مدينة بأكملها. ومستقبل وجدة لا يُبنى على مسكنات مؤقتة، بل على الاعتراف الشجاع بأن التنقل الحضري ليس مجرد قطاع خدمي، بل هو مرآة لكرامة المدينة وسكانها.

وجدة تستحق أن يصل أبناؤها إلى أعمالهم ودراستهم وعلاجهم بكرامة. وهذا ليس طلباً زائداً، بل أبسط ما يمكن أن تمنحه مدينة لمواطنيها.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*