وجدة – 15 يوليوز 2026
في يوم 12 يوليوز، حين هبط الصحفي علي لمرابط على أرض مطار طنجة قادماً من برشلونة، لم يكن يتوقع – او كان يتوقع- أن تتحول لحظة العودة إلى وطنه إلى عنوان جديد في سجل طويل من المواجهات مع السلطة. توقيف فوري، تحقيقات، ثم إفراج اليوم الأربعاء 15 يوليوز، بعد ثلاثة أيام فقط. حدث عابر في الظاهر، لكنه في عمقه يكشف عن توترات أعمق في علاقة الكلمة بالسلطة، وفي صورة الصحافة المغربية نفسها.
التهم الموجهة إليه — نشر «معلومات زائفة» و«تصريحات قذفية» عبر منشورات رقمية وفيديوهات على يوتيوب — ليست جديدة في سيرة لمرابط.
لكن التوقيت والسياق يجعلان الحادثة أكثر دلالة. فالأصل في أي نظام يدّعي احترام الحريات أن يظل المتهم في حالة سراح طالما أن الأمر يتعلق بالتعبير والكتابة والنشر، لا بالعنف ولا بالتهديد المباشر. قرينة البراءة ليست شعاراً، بل مبدأ إجرائي يحمي المجتمع من التعسف.
ومع ذلك، فإن مجرد التوقيف عند بوابة المطار يثير السؤال: هل أصبحت الكلمة، حتى وهي تنتقد أو تسخر أو تُفصح عن رأي، كافية لتحويل عودة مواطن إلى حدث أمني؟
الأكثر إثارة في هذه القصة ليس التوقيف نفسه، بل الإفراج السريع الذي جاء في توقيت حساس. على بعد أيام قليلة من الاحتفاء بعيد العرش، تمنى «كثيرون» — ومن بينهم صحفيون وأسماء محسوبة على ما يُسمى «نخب» المجتمع — أن يطول الاحتجاز، أو أن يأخذ التحقيق منحى أكثر قسوة.
هذه التمنيات العلنية أو المبطنة ليست مجرد انفعال فردي؛ إنها تكشف عن انقسام عميق داخل الجسم الصحفي نفسه. حين يصبح بعض الصحفيين يتمنون السوء لزميل لهم، لأنه «مختلف» أو «مزعج» أو «خارج الصف»، فإننا لا نكون أمام مهنة، بل أمام ساحة صراع على المواقع والنفوذ والريع الرمزي.
وليس صعبا فهم ذلك في سياق اصبح فيه قطاع الإعلام المغربي اليوم أقرب إلى مرآة مشروخة: سفيه أحياناً في خطابه، موارب في مواقفه، حربائي في اصطفافاته، ومصلحي ريعي في بنيته. لم يعد الأمر يتعلق فقط بصحافة مستقلة تواجه ضغوطاً، بل بمنظومة أصبح فيها جزء كبير من «المهنة» يعتمد على أشكال مختلفة من الدعم أو الولاء أو الصمت المتبادل.
في مثل هذه البيئة، يصبح الصوت الناقد — حتى لو كان صاخباً أو غير منضبط — تهديداً مزدوجاً: تهديداً للسلطة، وتهديداً لتوازنات داخلية هشة يحرص البعض على الحفاظ عليها.
الإفراج عن لمرابط اليوم يمكن قراءته بأكثر من طريقة. هل هو قرار براغماتي من دولة لا تريد أن تفتح جبهة جديدة لحرية التعبير عشية مناسبة وطنية كبرى؟
أم هو، كما يرى البعض، محاولة لتحريك «بركة» إعلامية راكدة، حتى لو كان الثمن إعادة إشعال نقاشات قديمة؟
الحقيقة أن كلا التفسيرين يظلان افتراضيين. الأهم أن الإفراج جاء، وأن المبدأ — مبدأ أن يُتابع الإنسان في حالة سراح عندما يتعلق الأمر بالكلمة — قد انتصر هذه المرة، ولو مؤقتاً.
شخصياً، كما يقول كثيرون ممن لا يتابعون لمرابط يومياً ولا يتفقون مع كل ما يقوله، جاء خبر الإفراج بارتياح. ليس لأن الرجل «بريء» أو «مذنب» — هذا شأن القضاء — بل لأن المبدأ أهم من الشخص. حين تُحترم قرينة البراءة، حتى مع من نختلف معهم جذرياً، فإننا نحمي أنفسنا جميعاً، ههههههههههه نحن لا تعود على الكل.
وحين يتمنى بعض «الزملاء» العكس، فإننا نكتشف أن أزمة الصحافة ليست فقط في علاقتها بالسلطة، بل في علاقتها بنفسها.
علي لمرابط عاد إلى الحرية اليوم. لكن السؤال الذي يظل معلقاً ليس عن مصيره الشخصي، بل عن مصير مهنة أصبحت فيها الحرية أحياناً امتيازاً، والكلمة أحياناً أخرى تهمة، والصمت أحياناً ثالثة فضيلة.
في زمن يسبق الاحتفال بعيد وطني، ربما يكون أجمل هدية للمغرب أن يظل الفضاء العام مفتوحاً بما يكفي ليحتوي حتى أولئك الذين يزعجون(نا). فالديمقراطية لا تُقاس بقدرتها على حماية من يمدحها، بل بقدرتها على تحمل من ينتقدها.
تحياتي – عبدالعالي الجابري
قم بكتابة اول تعليق