في ظلال الراي.. خيار الوالي أمحمد العطفاوي يضيء مسار الاحتفال

في قلب الجهة الشرقية، حيث تتعانق أنغام الراي مع نبض المدينة، تُشرق نسخة 2026 من مهرجان الراي الشرقي بقرار يحمل في طياته حكمةً ورؤية. على منصة الملعب الشرفي بوجدة، في الثالث والعشرين والرابع والعشرين والخامس والعشرين من هذا الشهر، لن تُسمع أصوات كبار نجوم الراي العالميين كما جرت العادة. غيابٌ مقصود، أو هكذا بدا لكثيرين، يُترجم تحولاً في فلسفة المهرجان الذي وُلد قبل سنوات ولم يبلغ بعدُ كل ما كان يُرجى منه.

في ظلال الراي.. خيار الوالي أمحمد العطفاوي يضيء مسار الاحتفال插图

لم يكن القرار مجرد تقليص في النفقات، بل كان اختياراً واعياً يعكس نضجاً في إدارة الشأن الثقافي. فقد آثر والي جهة الشرق، عامل عمالة وجدة أنجاد السيد أمحمد العطفاوي، أن يُفسح المجال لأبناء المدينة والجهة، وأن يستدعي وجوهاً فنية وطنية من مطربي الراي والشعبي، ليُنعشوا سهرات المهرجان الذي يُنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.

في الدورات السابقة، كانت الجمعية المنظمة تُثقل كاهل ميزانيتها باستقدام نجوم جزائريين كبار، يُدفع لهم بالعملة الصعبة، فتخرج الأموال من الجهة ولا تعود إليها إلا قليلاً. أما اليوم، فإن المال الذي يُمنح للفنان المحلي يدور داخل المدينة، ينعش المطاعم والفنادق والأسواق، ويُسهم في حركة اقتصادية حقيقية. إنه خيار اقتصادي وثقافي في آنٍ واحد، يُعيد للراي بعضاً من جذوره المحلية دون أن يفقد بريقه الوطني.

ومع ذلك، فإن هذا التوجه الإيجابي نحو الفنان المحلي يظل ناقصاً ما لم يُصحَّح التعامل مع الصحافة والإعلام المحلي. فمن غير المعقول أن يُشجَّع الفنان المحلي ويُحتفى به، بينما تُغيَّب المقاولات الإعلامية المحلية وتُهمَّش. إن مهرجان الراي، بما يحمله من زخم جماهيري وتغطية واسعة، يُعدُّ من المناسبات القليلة التي يمكن أن تُتيح للصحافة والإعلام المحليين فرصةً حقيقية لتحقيق مداخيل مشروعة ومستدامة، بعيداً عن منطق «ماءتا درهم والتدويرة» الذي استشرى وأصبح قاعدة غير معلنة، ساهمت المؤسسات الرسمية نفسها ــ عن قصد أو عن غفلة ــ في ترسيخه وتطبيعه.

إن الإعلام المحلي ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو شريك في صناعة الصورة الثقافية للجهة، وهو الذي يوثّق اللحظة ويُخلّدها. وحين يُحرم من حقه في التغطية المهنية والتعاقد العادل، فإن المهرجان يفقد أحد أهم أعمدته: التوثيق الحر والمهني المحلي الذي يحفظ الذاكرة ويُنصف الفنان والجمهور معاً، لا المؤسسات الوطنية التي تستفيد بعضها من مبالغ شهرية تتعدى 100 مليون سنتيم شهريا، في حين لا تحترم قانون الشغل في تعاملها مع مراسليها.

لقد كانت هناك أنباء عن مفاوضات كادت تُكلّف المهرجان حوالي ثمانين مليون سنتيم بالعملة الصعبة لاستقدام الشاب خالد، وهو ما كان سيعيدنا إلى الدائرة المفرغة السابقة. إن تجنّب هذا الخيار، والاكتفاء بالطاقات المحلية والوطنية، قرار صائب يستحق التنويه. غير أن صوابه لن يكتمل إلا إذا امتدّت يد الإنصاف إلى كل من يخدم المهرجان بصدق: الفنان، والصحفي، والمقاول الإعلامي، والجمهور.

نتمنى أن تكون نسخة 2026 بداية حقيقية لإعادة صياغة أهداف المهرجان، بحيث يخدم المدينة والجهة لا في جانب الفن فقط، بل في كل ما يتصل به من اقتصاد وإعلام وهوية. ونتمنى أيضاً أن تُطوى صفحة التجاوزات التي عرفتها الدورات الماضية، وأن يعمل كل مساهم ومشارك بمهنية ونزاهة، بعيداً عن الأنا الضيقة أو استغلال المناسبة لأغراض شخصية أو عائلية.

الراي ليس مجرد أغنية.. إنه نبض مدينة، وذاكرة جهة، وفرصة للعدل الثقافي. فلنمنحه ما يستحق من نور، كاملاً ومتوازناً.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*