الكرة المستديرة والشكوك الجوفاء: تأملات في إفتتاحية “الصباح”

في أعقاب الخروج من كأس العالم، الذي جاء غير مفاجئ في سياق المنافسة العالمية الشرسة، لكنه حمل صدمة في تفاصيل النتيجة، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الملعب: كيف يمكن أن تتحول الرياضة، هذا الاحتفال الإنساني بالجهد والمهارة والجمال، إلى ساحة للاتهامات الجوفاء والتشكيك العقيم؟

افتتاحية جريدة «الصباح» الأخيرة لم تكتفِ بتحليل الأداء القتالي الذي قدمه المنتخب الوطني، ولا بمراعاة الإرهاق الجسدي واللوجستي الناتج عن التنقلات المتواصلة بين القارات. بل اختارت طريقاً آخر: اتهام الجميع بالخيانة، والحديث عن «قلم أمريكي سيكتب بمداد العار»، دون أن تقدم دليلاً واحداً، أو حجة منطقية، أو حتى قراءة رياضية مدعومة بمعطيات.

هذا النهج التشكيكي لا يُعد تحليلاً، بل هو انحراف خطير عن جوهر الصحافة الرياضية المسؤولة.

ومن المفارقات التي تزيد من غرابة المشهد، أن هذه الجريدة تصدر عن مقاولة خاصة يتشكل رأسمالها في نسبة هامة منه من استثمار أجنبي (لبناني)، في حين تتحمل الدولة المغربية، من خلال آليات الدعم العمومي، دفع أجور موظفيها من الصحفيين بدلاً من مالكيها.

وعلى الهامش نتساءل عن المبلغ/الراتب الشهري الذي يتقاضاه كاتب مثل هذه الافتتاحية؟ وهل يمكن أن تكون مثل هذه الخطابات الاتهامية مرتبطة بحسابات مادية بعيدة عن الملعب؟

كرة القدم ليست معادلة رياضية بسيطة، ولا سيناريو مكتوباً مسبقاً. فيها ما هو موضوعي: الإعداد البدني والذهني، الخطط التكتيكية، جودة الإدارة الفنية واللوجستية، والقدرة على التعامل مع الضغط المتزايد. وفيها ما هو ذاتي بطبيعته: اللحظة الرياضية التي لا تُكرر، الإلهام الفردي في الثواني الحاسمة، التركيز تحت وطأة التوقعات الوطنية، وربما لمسة من سوء التوفيق أو قرار تحكيمي يغير مجرى المباراة.

الفريق الذي يمثل المغرب — لاعبون وإداريون وطاقم طبي ولوجستي — ليس آلة معصومة من الخطأ. هم مجموعة من البشر، يحملون على أكتافهم أحلام أمة بأكملها، يسافرون آلاف الكيلومترات، ينامون قليلاً، يتدربون كثيراً، ويواجهون منافسين يملكون موارد هائلة وتجربة متراكمة.

التنافس على كأس العالم ليس مسابقة محلية؛ إنه مواجهة بين أفضل ما أنتجته كل أمة من مواهب وإمكانيات، في بيئة لا ترحم الضعف ولا تغفر التراخي.

وهذه هي الكرة المستديرة بكل بساطتها وعمقها: تدور وتتبع من يحسن السيطرة عليها في اللحظة المناسبة، وتلتف حتى على أقدام أمهر اللاعبين في العالم.

لا يوجد فريق، مهما بلغت قوته، محصن من الهزيمة. ولا توجد هزيمة، مهما كانت قاسية، تبرر تحويل الرياضة إلى ساحة اتهامات بلا دليل.

إن نظرية التشكيك التي اعتمدها كاتب افتتاحية «الصباح» لا تخدم المنتخب، ولا تخدم الجماهير، ولا تخدم الوطن. بل تعيدنا إلى منطق قديم يستغل الرموز الوطنية في صراعات أخرى، ويحول الخسارة الرياضية إلى فرصة للتشويش والإساءة.

الوطنية الحقة لا تُقاس بصخب الاتهامات، بل بقدرة على الاعتراف بالجهد البشري، وبالتحليل الموضوعي الذي يبني للمستقبل لا الذي يهدم في الحاضر.

المنتخب الوطني، بكل ما فيه من بشرية وكفاح، يستحق منا أكثر من ذلك. يستحق الدعم في الشدة كما في الرخاء، والنقد البناء المبني على الحقائق، لا الشكوك التي تفتقر إلى أساس.

فالكرة ستدور مرة أخرى، والفرص ستأتي، والتاريخ يكتبه من يتقن السيطرة عليها بمهارة وكرامة.

أما التشكيك بلا دليل، يا خالد بدون حق للخلود، فهو لا يدور مع الكرة… بل يقف خارج الملعب.

تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*