بقلم: الدكتور ياسين عزاوي
مستشار قانوني سابق بالأمانة العامة للحكومة
ليست كل القوانين التي تنهي مسارها داخل المؤسسة التشريعية تضمن لنفسها مكانًا في المنظومة القانونية. فبين لحظة التصويت ولحظة النفاذ، تقف الرقابة الدستورية باعتبارها إحدى أسمى آليات حماية الدولة من أخطاء التشريع، وحماية التشريع نفسه من أن يتحول إلى مصدر لاختلال التوازنات التي وُجد من أجل تنظيمها.
وفي هذا السياق، تكتسي إحالة مشروع قانون مهنة المحاماة على المحكمة الدستورية أهمية تتجاوز حدود الجدل المهني الذي رافق مناقشته، لتتحول إلى لحظة دستورية بامتياز، تضع المشروع أمام امتحان من طبيعة مختلفة؛ امتحان لا يتعلق بمدى توفر الأغلبية السياسية التي دعمته، بل بمدى انسجامه مع المبادئ والقيم التي يؤسس لها الدستور.
فالرقابة الدستورية لا تشكل درجة إضافية في المسطرة التشريعية، وإنما تمثل لحظة مراجعة عليا لإرادة المشرع نفسها. وهي تذكير دائم بأن السلطة التشريعية، مهما اتسعت صلاحياتها، تبقى محكومة بسقف أعلى هو الدستور، وبحدود موضوعية لا يجوز تجاوزها مهما كانت المبررات السياسية أو الإصلاحية التي تُرفع لتبرير ذلك.
ومن هذا المنطلق، فإن إحالة المشروع على المحكمة الدستورية تفتح المجال أمام احتمالات متعددة، تختلف في آثارها القانونية والسياسية والمؤسساتية.
فقد ترى المحكمة أن المشروع منسجم مع المقتضيات الدستورية، فيواصل مساره نحو الصدور والتنفيذ. وقد تعتبر أن بعض مواده أو مقتضياته الجزئية لا تستجيب للمعايير الدستورية الواجبة الاحترام، مما يفرض إعادة النظر فيها قبل إخراج النص إلى حيز الوجود. كما يظل احتمال تسجيل ملاحظات جوهرية تمس بنية المشروع أو فلسفته العامة احتمالًا قائمًا، بما قد يعيد الملف برمته إلى دائرة النقاش التشريعي من جديد.
غير أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن فقط في القرار الذي ستصدره المحكمة الدستورية، وإنما في ما تكشف عنه من دلالات أعمق تتعلق بمنهجية صناعة التشريع ذاتها.
ذلك أن القوانين التي تنظم الهيئات المهنية الكبرى والمؤسسات المساهمة في تحقيق العدالة لا تُقاس قيمتها بقدرة الحكومة أو الأغلبية البرلمانية على تمريرها، وإنما بقدرتها على بناء حد أدنى من الثقة حولها. فكلما اتسعت دائرة التوافق، ازدادت فرص استقرار النص واستمراره. وكلما ضاقت مساحة الحوار الحقيقي، ارتفعت احتمالات الطعن فيه أو الاعتراض عليه أو مقاومته عند التطبيق.
ولعل ما يجعل هذه اللحظة أكثر تعقيدًا هو اقترانها بعامل الزمن السياسي. فالولاية التشريعية الحالية تقترب من نهايتها، والبلاد تتجه تدريجيًا نحو الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لسنة 2026. وهو ما يجعل أي مآل دستوري يقتضي إعادة فتح النقاش أو إعادة صياغة مقتضيات أساسية من المشروع، كفيلًا بإدخاله في دورة تشريعية جديدة قد لا تكون الحكومة الحالية جزءًا منها.
وهنا تبرز مفارقة سياسية وقانونية لافتة: فقد يجد مشروع قانون استغرق سنوات من الإعداد والمناقشة نفسه عاجزًا عن بلوغ مرحلة النفاذ، ليس بسبب معارضة سياسية تقليدية، وإنما بسبب تعثره أمام مقتضيات الرقابة الدستورية ومتطلبات الشرعية المؤسسية.
ومن ثم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بمصير مشروع قانون المحاماة، وإنما بمصير المقاربة التي أُنتج بها.
فالدولة الدستورية الحديثة لم تعد تقيس نجاحها بعدد النصوص التي تصدرها، بل بجودة المسارات التي تؤدي إلى إنتاجها. والتشريع لم يعد مجرد فعل قانوني تمارسه الأغلبية، بل أصبح عملية مركبة تستدعي الإصغاء والتفاوض والتشارك، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقوانين تنظم هيئات مستقلة أو تؤطر مجالات ترتبط مباشرة بالحقوق والحريات.
لقد بينت التجارب الدستورية المقارنة أن أكثر القوانين استقرارًا ليست تلك التي انتصرت فيها جهة على أخرى، وإنما تلك التي نجحت في تحويل الاختلاف إلى أرضية مشتركة للحوار. فالتوافق ليس ضعفًا في القرار، بل هو أعلى درجات نضجه. والإصغاء ليس تنازلًا عن الاختصاص، بل هو التعبير الأرقى عن حسن ممارسته.
ولهذا، فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذا المسار لا يتعلق فقط بمشروع قانون المحاماة، وإنما بفلسفة التشريع نفسها. فحين يتعلق الأمر بتنظيم الهيئات المهنية ومؤسسات الوساطة الدستورية، يصبح الحوار جزءًا من مضمون القانون، لا مجرد مرحلة تسبق صياغته.
لأن النصوص يمكن أن تُكتب داخل المكاتب، ويمكن أن تُصادق عليها المؤسسات، لكن الشرعية الحقيقية للقوانين لا تُولد إلا حين تشعر الأطراف المعنية بأنها كانت شريكًا في بنائها لا مجرد مخاطب بنتائجها.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يصبح السؤال أكثر عمقًا من مجرد البحث عن مآل مشروع قانون أو مادة تشريعية:
هل نريد قوانين تنتصر لإرادة اللحظة السياسية، أم قوانين تؤسس لاستقرار المؤسسات لعقود قادمة؟
ذلك أن الفرق بين التشريع كإجراء، والتشريع كفلسفة دولة، هو نفسه الفرق بين نص قد يصدر اليوم ويُراجع غدًا، ونص يتحول إلى جزء من الذاكرة القانونية للأمة.
قم بكتابة اول تعليق