مصطفى عياش
تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، يواصل Morocco Today Forum ترسيخ موقعه كمنصة وطنية للحوار الاستراتيجي، ويختار في دورته التاسعة رحاب مهد الدولة العلوية الشريفة، جهة درعة تافيلالت وعاصمتها الرشيدية، لاحتضان نقاش وطني كبير حول مستقبل التنمية المجالية، تحت شعار: “مغرب الجهات… من أجل إقلاع مندمج وشامل”.
إنها محطة تجمع بين رمزية التاريخ وضرورات المستقبل، بين ذاكرة وطنية ضاربة في الجذور ورهانات مغرب جديد يجعل من الجهات فاعلاً أساسياً في مسار التنمية، انسجاماً مع الرؤية الملكية التي تروم بناء نموذج تنموي متوازن، يقوم على العدالة المجالية، وتقليص الفوارق، وإشراك مختلف مناطق المملكة في صناعة الثروة والتنمية.
منذ انطلاقته سنة 2016، لم يعد Morocco Today Forum مجرد موعد سنوي للنقاش، بل تحول إلى فضاء وطني لإنتاج الأفكار وصناعة الحوار العمومي حول القضايا الكبرى التي تهم المغرب ومستقبله. فقد أصبح المنتدى يجمع كبار المسؤولين الحكوميين، ورؤساء المؤسسات الدستورية، ورؤساء الجهات، والمنتخبين، والفاعلين الاقتصاديين، والأكاديميين، والخبراء المغاربة والدوليين، بهدف مواكبة الأوراش الكبرى للمملكة واستشراف التحولات المقبلة.
ويقف وراء هذا المشروع الفكري والإعلامي مجموعة “لوماتان” بقيادة رئيسها المدير العام محمد هيتمي، الذي عمل منذ تأسيس المنتدى على جعله موعداً وطنياً للحوار المسؤول، انطلاقاً من قناعة راسخة مفادها أن التنمية لا ترتبط فقط بالمشاريع والاستثمارات، بل تحتاج أيضاً إلى إنتاج الأفكار، وفتح نقاشات استراتيجية قادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب.
وفي هذا الإطار، تعتمد إدارة المنتدى قبل كل دورة على ورشة للتوجيه الاستراتيجي، تجمع مسؤولين حكوميين، ورؤساء مؤسسات، وخبراء، وأساتذة جامعيين، وفاعلين اقتصاديين وممثلين عن القطاع الخاص والمجتمع المدني، من أجل تحديد موضوع الدورة، وصياغة محاورها الكبرى، ورسم الإشكاليات التي تؤطر جلساتها، بما ينسجم مع الأولويات الوطنية والتوجيهات الملكية السامية.
وخلال دوراته السابقة، نجح Morocco Today Forum في مواكبة عدد من التحولات الكبرى التي عاشها المغرب، حيث ناقش قضايا مرتبطة بالمقاولة الاجتماعية والابتكار، والجهوية المتقدمة، وتمكين المرأة، والتعاون جنوب-جنوب، واقتصاد المعرفة، والدولة الاجتماعية، والواجهة الأطلسية للمملكة، وصولاً إلى استشراف مستقبل المغرب في أفق 2030.
ولم تكن تلك المحطات مجرد لقاءات للنقاش، بل شكلت فضاءً يجمع مختلف الفاعلين من أجل تبادل الرؤى حول كيفية تنزيل الأوراش الكبرى وتحويل التوجهات الاستراتيجية إلى برامج عملية تستجيب لتطلعات المواطنين.
وتأتي الدورة التاسعة، التي تحتضنها مدينة الرشيدية يوم 24 يوليوز 2026 بشراكة مع مجلس جهة درعة تافيلالت، في سياق وطني استثنائي، يتسم بتسريع تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، وتفعيل النموذج التنموي الجديد، والاستعداد للاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المملكة، وفي مقدمتها احتضان كأس العالم 2030.
ولم يكن اختيار جهة درعة تافيلالت، وعاصمتها الرشيدية، لاحتضان هذا الموعد الوطني اختياراً اعتباطياً، فهي جهة تختزن رمزية تاريخية عميقة، باعتبارها مهد الدولة العلوية الشريفة. فمن ربوع تافيلالت انطلقت الدعوة العلوية خلال القرن السابع عشر، قبل أن يتمكن السلطان المولى الرشيد سنة 1666 من توحيد أرجاء المغرب وإرساء دعائم الدولة المغربية الموحدة في ظل الحكم العلوي، الذي استمر إلى يومنا هذا كواحد من أعرق الأنظمة الملكية في العالم.
وظلت تافيلالت على امتداد التاريخ أرضاً للشرفاء العلويين، ورمزاً للأصالة والوفاء للعرش، وجسراً حضارياً يربط مختلف جهات المملكة، بما تختزنه من إرث ثقافي وروحي وتاريخي غني.
وتكمن خصوصية التجربة المغربية في أن المؤسسة الملكية ظلت عبر مختلف المراحل التاريخية عنواناً للاستمرارية، وضامناً لوحدة الدولة واستقرارها، ومواكبة للتحولات التي عرفها المجتمع المغربي. فمنذ عهد الدولة العلوية، واصلت المملكة بناء مؤسساتها، وصيانة سيادتها ووحدتها الترابية، مع الحفاظ على ثوابتها الوطنية وهويتها الحضارية.
وفي عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، عرف المغرب دينامية تنموية كبرى من خلال إطلاق أوراش استراتيجية غير مسبوقة، من بينها ورش الجهوية المتقدمة، والنموذج التنموي الجديد، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز الصناعة والطاقات المتجددة واللوجستيك، وتقوية جاذبية الاستثمار، وترسيخ حضور المملكة قارياً ودولياً.
واليوم، تلتقي في هذه الربوع ذاكرة التاريخ مع طموحات المستقبل، إذ لا تكتفي تافيلالت بأن تكون شاهدة على صفحات مشرقة من تاريخ المغرب، بل تؤكد أنها شريك أساسي في بناء مستقبله، من خلال احتضان نقاش وطني حول التنمية المجالية ومغرب الجهات.
وتكتسي هذه الدورة أهمية خاصة بالنظر إلى السياق الوطني الراهن، بعدما أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس أن “لا مكان اليوم ولا غداً لمغرب يسير بسرعتين”، وهو توجيه ملكي جعل من العدالة المجالية والتنمية المتوازنة أولوية وطنية.
وفي هذا الإطار، يناقش المنتدى الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، القائمة على تشخيص حاجيات الجهات، وتعبئة الإمكانيات الكفيلة بتقليص الفوارق المجالية وتعزيز العدالة الاجتماعية والاقتصادية، بما يجعل كل جهة قادرة على الإسهام في مسار التنمية الوطنية.
وسيتوزع برنامج الدورة التاسعة على ثلاثة محاور كبرى؛ أولها الجهوية المتقدمة وبرامج التنمية الترابية الجديدة، من خلال تعزيز حكامة الجهات ونقل الاختصاصات وترسيخ اللاتمركز الإداري. أما المحور الثاني فسيركز على جاذبية الجهات للاستثمار وخلق فرص الشغل وتطوير الخدمات الأساسية والبنيات التحتية. فيما يتناول المحور الثالث الرقمنة والذكاء الاصطناعي ودورهما في تحسين الحكامة الترابية وتطوير الخدمات العمومية وتقليص الفجوة الرقمية.
ويكتسب اختيار الرشيدية دلالة مزدوجة؛ فهي من جهة أرض التاريخ والرمزية الوطنية، ومن جهة أخرى فضاء يحمل تحديات تنموية حقيقية، سواء في مجال تدبير الموارد المائية، أو فك العزلة، أو تطوير البنيات التحتية، أو تعزيز جاذبية الاستثمار.
وفي المقابل، تزخر الجهة بمؤهلات كبيرة في مجالات الفلاحة، والسياحة، والصناعة التقليدية، والطاقات المتجددة، والثقافة، مما يجعلها نموذجاً حياً لمغرب الجهات الذي يسعى المنتدى إلى ترسيخ أسسه.
وبعد تسع سنوات من الحضور المتواصل، أصبح Morocco Today Forum أحد أبرز المواعيد الوطنية التي تجمع الدولة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الوطنية حول طاولة واحدة، بهدف إنتاج حلول عملية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتكنولوجية.
إن قيمة المنتدى لا تكمن فقط في مستوى المشاركين أو أهمية المواضيع المطروحة، بل في قدرته على تحويل الحوار إلى أفكار، والأفكار إلى مقترحات، والمقترحات إلى رؤية تواكب مسار الإصلاح والتنمية بالمملكة.
ومن مهد الدولة العلوية الشريفة، تحمل الدورة التاسعة رسالة واضحة: إن المغرب، وهو يستعد لمحطات كبرى وفي مقدمتها كأس العالم 2030، يواصل بناء نموذج تنموي يجعل من الجهات شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل، ومن العدالة المجالية أساساً للتنمية، ومن تاريخه العريق قوة دافعة نحو غد أكثر ازدهاراً.
إنه مغرب يواصل مسيرته بثقة، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نحو ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز التنمية المتوازنة، وتأكيد مكانة المملكة كبلد يجمع بين أصالة التاريخ وطموح المستقبل.
قم بكتابة اول تعليق