
الغذاء بين الطيب والخبيث: قراءة علمية هادئة مع د. بنعبود جمال
حاصل على الدكتوراه فالبيولوجيا تخصص البيئة و علم السموم.
حاصل على شهادة تدريب في التغذية و الصحة.
عندما يتعلق الأمر بالصحة، يصبح الإنسان أكثر استعدادًا لتصديق أي وعد يمنحه أملًا. مريض السكري يريد أن يضبط سكره، ومريض الضغط يتمنى أن يستغني عن الدواء، ومن يعاني من القولون أو السمنة أو التعب المزمن يبحث عن تفسير يريحه. لذلك تنتشر الأنظمة الغذائية بسرعة، خاصة حين تقدم رسالة بسيطة: غيّر طعامك، وسيتغير جسدك.
ومن بين هذه الأنظمة ظهر ما يُعرف باسم نظام الطيبات، الذي يقدّم نفسه كعودة إلى الغذاء الطبيعي، وتمييز بين ما ينفع الجسم وما يضره. وقد وجد هذا الخطاب صدى عند كثيرين لأنه يلامس مخاوف حقيقية: كثرة الأطعمة المصنعة، الإفراط في السكر، تراجع جودة بعض المنتجات، الاعتماد الكبير على الأدوية، وضعف نمط الحياة الصحي.
والإنصاف يقتضي أن نقول منذ البداية: ليست كل فكرة في هذا الخطاب خاطئة. تقليل الأطعمة فائقة التصنيع أمر مهم، والإفراط في السكر والمقليات والمشروبات الغازية يضر الصحة، والحركة والصيام المنضبط وتنظيم الأكل قد تفيد كثيرًا من الناس. ومن حق أي إنسان أن يسأل عن مصدر غذائه وجودته وأثره في صحته.
لكن وجود أفكار صحيحة داخل أي نظام لا يعني أن النظام كله صحيح.
لن أتناول نظام الطيبات بمنطق السخرية أو الخصومة، ولن أبني النقاش على كلام متفرق أو انطباعات عامة. سنقرأ النظام من داخله: من كتابه، وقواعده، ومسموحاته وممنوعاته، والأفكار التي يكررها، ثم نضع ذلك أمام ما تقوله البيولوجيا والتغذية والطب المبني على الدليل.
ستكون الأسئلة المركزية: ماذا يقول؟ ما الصحيح فيه؟ أين يبدأ التعميم؟ وأين يصبح الكلام خطرًا؟
كثير من الأخطاء الصحية لا تبدأ من معلومة خاطئة تمامًا، بل من معلومة صحيحة جزئيًا يُبنى عليها استنتاج خاطئ. قد تكون للجسم قدرة مدهشة على التكيف والإصلاح، وقد توجد آليات لاستعمال الغلوكوز لا تعتمد كلها على الإنسولين، لكن تحويل هذه الجزئيات إلى قول إن الإنسولين غير مهم، أو إن العلاج غير ضروري، أو إن الغذاء وحده يكفي، انتقال غير علمي وخطير.
البيولوجيا لا تُفهم بالشعارات. والجسم ليس آلة بسيطة تفسرها جملة واحدة. والمرض ليس دائمًا نتيجة “طعام سيئ” فقط. كما أن تحسن شخص بعد نظام غذائي معين لا يعني أن كل تفاصيل ذلك النظام صحيحة.
قد يتحسن الإنسان لأنه خفف السعرات، أو ترك المشروبات الغازية، أو نقص وزنه، أو بدأ المشي، أو نظم نومه. لكن ذلك لا يثبت أن منع الخضر صحيح، أو أن منع البيض والبقوليات صحيح، أو أن السكر يصلح أساسًا غذائيًا للجميع، أو أن الدواء مجرد “تسكين” بلا قيمة علاجية.
في هذه السلسلة سنحاول أن نحافظ على التوازن: لا نلغي التجربة الشخصية، لكن لا نجعلها دليلًا عامًا. لا ندافع عن الأكل الرديء، لكن لا نحول كل ما هو صناعي إلى شر مطلق. لا نقدس الدواء، لكن لا نقبل الاستهانة به. ولا نرفض الغذاء الطبيعي، لكن لا نعتبر كلمة “طبيعي” ضمانًا للسلامة.
سنناقش بهدوء فلسفة “الجسم مصنع لا مستخلص”، ومقولة “صفر مدخلات سامة = صحة كاملة”، وموقف النظام من الأدوية، وتفسيره للمرض، والسماح بالسكر والنشويات كأساسيات، ومنع الخضر والورقيات والبقوليات، والحديث عن الدجاج والبيض والألبان، ثم ما يمكن قبوله فعلًا من قواعد مثل تقليل الأكل المصنع، والحركة، والتدرج، والانتباه للجوع ،والشبع.
الغاية ليست أن نقول للناس: لا تغيروا غذاءكم. بل العكس: غيّروه بعقل، لا بخوف. حسّنوا نمط حياتكم، لكن لا توقفوا علاجًا دون طبيب. انتبهوا إلى جودة الطعام، لكن لا تمنعوا عن أنفسكم أغذية نافعة بلا دليل.
بين التهوين والتهويل توجد مساحة اسمها: الفهم.
يتبع في المقال الثاني: هل الجسم “مصنع لا مستخلص”؟ قراءة بيولوجية للفكرة المركزية لنظام الطيبات.
قم بكتابة اول تعليق