إعداد: الدكتور ياسين عزاوي
مستشار قانوني سابق بالأمانة العامة للحكومة
هل يمكن لقانون أن يولد صحيحًا من حيث الشكل… ومطعونًا فيه من حيث الروح؟
وهل يكفي أن يُصادق عليه داخل مؤسسة تشريعية، حتى يُصبح معبرًا عن العدالة التي يُفترض أن يحميها؟
لم تعد الوقفة الاحتجاجية التي خاضها المحامون بمختلف ربوع المملكة مجرد تعبير نقابي عابر، ولا احتجاجًا فئوياً ضيقًا، بل تحولت، في ضوء المستجدات الأخيرة، إلى لحظة دستورية وسياسية عميقة، تعيد طرح سؤال جوهري:
ما الذي أوصل العلاقة بين السلطة الحكومية المكلفة بالعدل ومؤسسة الدفاع إلى هذا المستوى من الاحتقان؟
إن المصادقة على مشروع قانون المهنة داخل لجنة العدل والتشريع، رغم التحفظات العميقة التي أُثيرت بشأنه، ورغم الرفض المهني الواسع، لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها محطة عادية في المسار التشريعي، بل باعتبارها مؤشرًا على تحول أعمق يمس فلسفة التشريع وحدوده.
فالمحاماة، في فلسفة الدولة الحديثة، ليست مهنة كباقي المهن، بل هي مؤسسة دستورية تؤدي وظيفة تتجاوز الدفاع عن المصالح الفردية إلى حماية الحقوق والحريات، وضمان المحاكمة العادلة، وتحقيق التوازن داخل منظومة العدالة. ولذلك، فإن أي إصلاح يهمها لا يمكن أن يخضع لمنطق الأغلبية العددية وحدها، ولا أن يُبنى على تصور أحادي يغيب عنه الحوار الحقيقي.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
هل ما زلنا أمام إصلاح تشريعي، أم أمام إعادة صياغة لعلاقة الدولة بمؤسسة الدفاع خارج منطق التوازن الدستوري؟
لقد أبان مسار إعداد هذا المشروع، الذي تبنته السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، عن إشكال مزدوج:
إشكال في المضمون، وإشكال في المنهجية.
فالتشريع، في الدولة الدستورية، لا يُقاس فقط بما ينتهي إليه من نصوص، بل كذلك بالطريقة التي وُلد بها. وكلما ضاقت دائرة التشاور، وضعفت آليات المشاركة، تراجعت مشروعية القانون، حتى وإن استوفى شروطه الشكلية.
وفي هذا السياق، يفرض الواقع نفسه بسؤال أكثر حساسية:
ليس فقط حول مضمون المشروع، بل حول الكيفية التي أُدير بها هذا الورش التشريعي من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالعدل.
ذلك أن ما يثير الانتباه، ليس مجرد الإصرار على تمرير نص في ظل هذا المستوى من الرفض المهني، وإنما طبيعة المقاربة التي توحي، في بعض تجلياتها، وكأن التشريع أصبح يُمارس بمنطق الانفراد بدل التشارك، وبمنطق التدبير الإداري بدل البناء المؤسساتي.
فهل يُعقل أن تُختزل مؤسسة الدفاع، بكل رمزيتها الدستورية والتاريخية، في مجرد مخاطب ثانوي في نص ينظم وجودها؟
وهل يمكن اعتبار استكمال المسطرة التشريعية كافيًا، في ظل غياب قناعة الفاعل الرئيسي المعني بالقانون؟
إن الإشكال هنا لا يتعلق بنوايا الإصلاح، بل بحدود السلطة في ممارسته. فالإصلاح، حين يفقد طابعه التشاركي، يتحول – ولو بحسن نية – إلى ممارسة قد تُفهم باعتبارها إعادة توجيه لموازين القوة داخل المنظومة، بدل أن تكون تعزيزًا لتوازنها.
وفي خضم هذا السياق المتوتر، لا يمكن إغفال بعض الخطابات التي صدرت في النقاش العمومي، والتي لم تخلُ من دلالات رمزية عميقة. إذ نُسب إلى المسؤول الحكومي المكلف بالعدل قول يحمل في طياته تساؤلاً ضمنيًا حول مشروعية مخاطبة المحامين لأعلى مستويات القرار التنفيذي.
وبغض النظر عن دقة الصياغة أو سياقها، فإن مثل هذا الخطاب يطرح إشكالاً يتجاوز العبارة في حد ذاتها، ليصل إلى تصور أعمق لطبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية ومؤسسة الدفاع.
فهل يُنظر إلى المحاماة باعتبارها مجرد فاعل مهني يمكن التعامل معه بمنطق التدرج الإداري؟
أم باعتبارها مؤسسة دستورية وشريكًا أصيلاً في منظومة العدالة، يملك من المشروعية ما يؤهله لأن يكون مخاطبًا مباشرًا في القضايا التي تمس جوهر وجوده؟
إن الإشكال هنا لا يتعلق بعبارة عابرة، بل بما قد تعكسه من تمثل ضمني لموقع المحاماة داخل هندسة السلطة. ذلك أن الخطاب المؤسساتي، في الدولة الدستورية، لا يُقاس فقط بما يقوله، بل أيضًا بما يفترضه من علاقات وقيم.
فحين يشعر جسم مهني، بحجم ورمزية المحاماة، بأن صوته لا يُنظر إليه باعتباره شريكًا، بل كطرف ينبغي أن يُستوعب ضمن قنوات محددة سلفًا، فإننا نكون أمام اختلال في منطق الشراكة، لا في آليات الحوار فقط.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: من له الحق في مخاطبة من؟
بل: كيف تُبنى علاقة صحية بين المؤسسات، تقوم على الاعتراف المتبادل، لا على تراتبية غير منصوص عليها دستوريًا؟
لأن المحاماة، في نهاية المطاف، لا تستمد مشروعيتها من إذن إداري،
بل من وظيفتها الدستورية في حماية الحقوق والحريات.
وأي خطاب قد يُفهم منه خلاف ذلك، لا يمس فقط بكرامة مهنة،
بل يمس بصورة غير مباشرة بالتوازن الذي تقوم عليه العدالة نفسها.
إن الديمقراطية التشاركية ليست ترفًا سياسيًا، بل هي ضمانة لإنتاج نصوص أكثر توازنًا وقبولًا. ومن هنا، فإن السؤال المشروع هو:
هل يمكن لقانون أن يؤسس للاستقرار المهني والقضائي، وهو يولد في ظل هذا المستوى من التوتر وانعدام الثقة؟
إن ما يثير القلق في هذا المشروع، ليس فقط بعض المقتضيات التي يُنظر إليها باعتبارها متعارضة مع مبادئ كونية لاستقلال المهن القانونية، ولا فقط الشكوك حول مدى انسجامه مع روح الدستور، بل أيضًا ما قد يترتب عنه من إعادة رسم غير معلنة لموقع المحاماة داخل منظومة العدالة.
فهل نحن أمام تنظيم يهدف إلى تجويد الممارسة المهنية؟
أم أمام مقاربة قد تُفضي إلى تقييدها وتوسيع مجالات الوصاية عليها؟
إن المحامين، وهم يعبرون عن رفضهم، لا يرفضون الرقابة ولا يعارضون مبدأ المحاسبة، بل يتمسكون بأن تُمارس هذه المبادئ داخل قنوات تشريعية ومؤسساتية مشروعة، تحترم استقلال المهنة، وتنسجم مع مكانتها الدستورية.
ذلك أن الرقابة، حين تفقد توازنها، تتحول من آلية للتقويم إلى أداة للتأثير، ومن وسيلة للإصلاح إلى مدخل للهيمنة.
ومن هنا يبرز سؤال دستوري دقيق:
هل يمكن إقرار صلاحيات تمس التوازن بين الفاعلين داخل منظومة العدالة دون مراجعة الإطار الدستوري المؤطر لها؟
إن أخطر ما قد يصيب التشريع ليس أن يختلف الناس حول مضمونه، بل أن يتحول من أداة لتنظيم العلاقات إلى وسيلة لإعادة إنتاج موازين القوة. فحين يفقد القانون حياده، يُقرأ باعتباره تعبيرًا عن إرادة السلطة أكثر من كونه تجسيدًا لإرادة القانون.
وفي ظل هذا السياق، ومع انسداد أفق الحوار، وتعنت الجهة الحكومية الوصية، تجد المهنة نفسها أمام خيارات مصيرية غير مسبوقة:
اللجوء إلى التحكيم المؤسساتي، أو إحالة المشروع على المحكمة الدستورية، أو التصعيد المهني عبر تعليق العمل والانسحاب من الجلسات.
وهنا يطرح السؤال الأكثر خطورة:
ماذا يعني أن تدخل منظومة العدالة مرحلة تغيب فيها مؤسسة الدفاع؟
هل يمكن تصور محاكم بدون محامين؟
وهل يمكن الحديث عن محاكمة عادلة في غياب أحد أعمدتها الأساسية؟
إن صورة محاكم بدون محامين ليست مجرد احتمال مهني، بل هي زلزال قانوني ومؤسساتي، يضع الدولة أمام اختبار حقيقي في قدرتها على تدبير التوازن بين السلط، والحفاظ على ثقة الفاعلين داخل منظومة العدالة.
فالعدالة ليست نصوصًا جامدة، بل هي توازن حي بين مؤسسات، كلما اختل أحدها، اختل البناء بأكمله. والمحاماة، في هذا السياق، ليست عنصرًا تكميليًا، بل هي العمود الفقري الذي يمنح العدالة معناها الحقيقي.
إن التشريع، في جوهره، ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتجويد القاعدة القانونية وضمان فعاليتها داخل المنظومة التي تنتمي إليها. والقانون الذي ينظم مهنة ذات حمولة دستورية وحضارية، يجب أن يكون أكثر حرصًا على تحقيق هذا التوازن، وأن يعكس صورة الحقوق والحريات، لا أن يُقرأ باعتباره قيدًا عليها.
لقد علمتنا التجارب الدستورية، وطنياً ومقارنًا، أن قوة الدول لا تقاس بقدرتها على فرض القوانين، بل بقدرتها على بناء التوافق حولها. فالقانون الذي يولد في ظل انقسام حاد، يظل معرضًا لأزمة مشروعية، حتى وإن استوفى شروط الشرعية الشكلية.
ومن هنا، فإن ما يدافع عنه المحامون اليوم، لا يتعلق فقط بمصالح مهنية، بل بفكرة العدالة نفسها، وبمكانة مؤسسة الدفاع داخل الدولة.
الخاتمة
إن اللحظة الراهنة ليست مجرد خلاف حول نص قانوني، بل هي امتحان حقيقي لفلسفة التشريع وحدوده. فالدولة، وهي تمارس وظيفتها التشريعية، لا تمارس مجرد اختصاص دستوري، بل تتحمل مسؤولية تاريخية في بناء الثقة، وصيانة التوازن، وضمان استمرارية العدالة.
وإذا كانت القوانين تُمرر بالأغلبية، فإن المؤسسات لا تُبنى إلا بالتوافق.
لذلك، فإن السؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام الجميع هو:
أي عدالة نريد؟
وأي موقع نريده للمحاماة داخلها؟
لأن العدالة التي تُفرغ من دفاع مستقل…
لا تفقد توازنها فقط، بل تفقد معناها.
قم بكتابة اول تعليق