في وداع المنتخب الجزائري لكأس العالم، لا يتوقف السؤال عند حدود النتيجة. ثمة سؤال أعمق يطرح نفسه: كيف يمكن لفريق يملك مواهب وأسماء قادرة على صناعة الفرق أن يظهر بهذه الصورة الباهتة، القاحلة، التي لا تشبه إيقاعه التاريخي ولا طموحه المعلن؟
لطالما كانت الممارسة الرياضية، في كل مرحلة من مراحل التطور البشري، أكثر من مجرد نشاط بدني معزول عن السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المحيطة بها. كما صاغها ببراعة عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس، فإن الرياضة تمثل «حقيقة اجتماعية شاملة» تعكس في بنيتها العميقة تناقضات المجتمع، وطبيعة صراعاته، وتوجهاته الثقافية والسياسية. ومع تطور المجتمعات الرأسمالية الحديثة، تحولت الأحداث الرياضية الكبرى — وعلى رأسها كأس العالم والألعاب الأولمبية — إلى ظواهر سوسيولوجية وجيوسياسية بالغة التعقيد. لم تعد مجرد متعة أو ترفيه بريء، بل أصبحت أدوات استراتيجية توظفها الدول والكيانات الاقتصادية العملاقة لتحقيق غايات تتجاوز حدود الملعب بكثير.
في هذا السياق، يصبح الضغط الذي واجهه المنتخب الجزائري مفهوماً بصورة أعمق. لم يكن الإعلام الجزائري مجرد مرآة تعكس الرأي العام، بل أصبح جزءاً فاعلاً في صناعة هذا الضغط. وضع اللاعبين تحت مجهر مقارنة مستمرة مع جيرانهم، وأدخلهم في معادلة رمزية تفوق قدرتهم على التحمل في تلك اللحظة. شعر الفريق وكأنه يحمل حجراً ثقيلاً مربوطاً بأقدامه، يمنعه من الجري بحرية ومن التعبير عن أسلوبه الطبيعي. كان التركيز منصباً على محاولة مجاراة تألق الآخرين أكثر منه على اكتشاف إيقاع الذات. فتحول الفريق، كالغراب الذي أعجبته مشية الحمامة، إلى كائن يحاول تقليد خطوات ليست خطواته، ففقد بذلك توازنه وأصالته.
حتى في لحظات الخسارة، استمر هذا التوجيه. من تابع تحليلات الدراجي، أدرك أن هناك سعياً دائماً لصياغة الرواية وتوجيه الرأي العام، كأن النتيجة نفسها يجب أن تُقرأ ضمن سياق أوسع من الرياضة. وهذا بالضبط ما يجعل كأس العالم ظاهرة «شاملة» بالمعنى الذي قصده موس: فهي ليست مباريات فحسب، بل مسرح تتقاطع فيه السياسة والاقتصاد والهوية والصورة الوطنية.
الجزائر تملك تاريخاً كروياً محترماً وجيلاً من اللاعبين يستحقون أن يُروى عنهم بطريقة أخرى. لكن حين يتحول التركيز من «كيف نلعب بأسلوبنا» إلى «كيف نرد على الآخرين أو نجاريهم»، يفقد الفريق بوصلته داخل هذا المسرح الكبير. المقارنة، حين تكون مفرطة ومفروضة من الخارج، لا تبني بل تثقل. والتقليد، حتى لو كان بدافع الطموح، قد يتحول إلى قيد يمنع الإبداع والتعبير الحر.
ربما يكون الدرس الأعمق الذي تتركه هذه النسخة من المونديال هو أن أعظم قوة لأي فريق — بل لأي مجتمع — تكمن في قدرته على الحفاظ على صوته الخاص وسط هذا الضجيج الجيوسياسي والإعلامي. في عالم تحولت فيه الرياضة إلى «حقيقة اجتماعية شاملة»، يصبح التمسك بالأصالة فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية. الجزائر لديها كل المقومات لتعود بإيقاعها الخاص، بثقتها التي لا تحتاج إلى مقارنة لتثبت وجودها، وبأسلوبها الذي يعكس هويتها لا ظلال الآخرين.
في النهاية، كأس العالم ليست فقط عن الفوز أو الخسارة. إنها أيضاً عن القدرة على أن تكون أنت، في عالم يحاول أن يفرض عليك دوراً محدداً.
قم بكتابة اول تعليق