حارس الأحلام: ڤوزينيا، الرجل الذي أسر العالم بأناقة الشجاعة

ما إن أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً خروج الرأس الأخضر أمام الأرجنتين، حتى اتجه ڤوزينيا إلى المدرجات. على وجهه ملامح رجل يحاول أن يخفي دموعه، ليشكر الجماهير على كل الحب الذي منحه له طوال هذه الرحلة التي لن تُنسى. كان الحزن حاضراً لأن الحلم انتهى، لكن الفخر كان أكبر من أي خيبة.

في الأربعين من عمره، وحارس مرمى يلعب في دوري الدرجة الثانية البرتغالي، عاش خوسيمار خوسيه إيفورا دياس – المعروف بـ«ڤوزينيا» – أعظم لحظة في مسيرته، وحقق الحلم الذي انتظره طوال حياته.

هو ليس مجرد حارس مرمى. هو رمز لأمة صغيرة تعداد سكانها لا يتجاوز نصف مليون نسمة، ولا يزيد عدد لاعبيها المسجلين في العالم عن سبعة آلاف لاعب فقط. منتخب مصنف في المركز السابع والستين، واجه حامل اللقب العالمي والمصنف الأول. ومع ذلك، وقف ڤوزينيا في وجه نخبة لاعبي العالم بكل هدوء وأناقة، كأنه يقول: «الأحلام لا تعترف بالتصنيفات».

في أول مشاركة تاريخية للرأس الأخضر في كأس العالم، قدم أداءً أسطورياً أمام إسبانيا بطلة أوروبا، وحافظ على شباكه نظيفة بسبع تصديات رائعة. ثم أمام الأرجنتين بطلة العالم، قدم أفضل مباريات مسيرته: ثماني تصديات مبهرة، منها تصدٍّ إعجازي لضربة حرة من ليونيل ميسي، وتصدٍّ لانفراد مباشر من النجم الأرجنتيني نفسه.

ميسي سجل هدفاً واحداً، لكنه بعد المباراة مشى نحوه وتبادل معه القميص، في لحظة احترام نادرة بين الأسطورة والرجل الذي كان حلمه الوحيد أن يقف أمامه يوماً ما.

والده سماه «خوسيمار» إعجاباً بلاعب برازيلي يحمل الاسم نفسه تألق في مونديال 1986. وكان حلم الوالد أن يرى ابنه يلعب في كأس العالم. اليوم، في عمر الأربعين، تحقق الحلم. ڤوزينيا لم يكن يحلم فقط بارتداء قميص منتخبه في أكبر بطولة، بل بأن يواجه ميسي وجهاً لوجه. وقد فعل، وخرج من المواجهة باحترام الجميع.

أحياناً، حتى في الهزيمة، يمكن للإنسان أن ينتصر. ڤوزينيا، حتى وهو يغادر البطولة بعد تعادلات مشرفة أمام إسبانيا وأوروغواي والسعودية، ثم خسارة بمستوى عالمي أمام الأرجنتين بعد شوطين إضافيين، كسب شيئاً لا يُشترى: احترام عالم كرة القدم بأكمله.

قال عنه المدرب ليونيل سكالوني: إعجاب كبير بأدائه وبرجال الرأس الأخضر.

وقال عنه جوزيه مورينيو بكلمات تعكس جوهر القصة: «نحن نشاهد سيناريو مكتوباً مسبقاً، لا مباراة كرة قدم. الرأس الأخضر لم يلعب ضد أحد عشر لاعباً أرجنتينياً فقط، بل لعب ضد الحكم، وضد النظام، وضد أجندة البطولة بأكملها. عندما تكون أمة صغيرة، عليك أن تكون مثالياً لتفوز. أما عندما تكون الأرجنتين، فيُسمح لك بالأخطاء لأن الصافرة ستحميك دائماً… كانوا محاربين مطلقين».

ڤوزينيا لم يفز بكأس العالم، لكنه فاز بقلوب الملايين. أصبح «حارس الشعب» و«حارس الأحلام». في عالم يعشق الأساطير الشابة، جاء رجل في الأربعين من عمره، من جزر صغيرة نائية، ليذكرنا بأن الشجاعة لا تموت، وأن الأحلام – مهما تأخرت – يمكن أن تتحقق إذا حملتها بقلب طفل وروح محارب.

شكراً يا ڤوزينيا. لقد أثبتَّ أن الجمال الحقيقي في كرة القدم ليس في النتيجة وحدها، بل في الطريقة التي نعيش بها اللحظة.

تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*