
الغذاء بين الطيب والخبيث: قراءة علمية هادئة – الجزء 2
د. بنعبود جمال.
حاصل على الدكتوراه فالبيولوجيا تخصص البيئة و علم السموم.
حاصل على شهادة تدريب في التغذية و الصحة.
من الأفكار المركزية في نظام الطيبات عبارة تتكرر بصيغ مختلفة: الجسم مُصنِّع لا مُستخلص. والمقصود بها أن الجسم لا يأخذ كل شيء جاهزًا من الطعام، بل يفكك، ويحوّل، ويصنع، وينظم. وهذه، من حيث المبدأ، فكرة فيها قدر مهم من الصحة.
فالجسم فعلًا ليس وعاءً يستقبل الطعام كما هو. عندما نأكل البروتين، لا يأخذه الجسم كقطعة جاهزة ليضعها في العضلات أو الجلد أو المناعة، بل يهضمه إلى أحماض أمينية، ثم يعيد تركيب ما يحتاجه من بروتينات وإنزيمات وهرمونات وأنسجة. وعندما نأكل الدهون، لا يتعامل معها الجسم ككتلة واحدة، بل يفككها ويمتصها وينقلها ويعيد توظيفها. كما أن الجسم يصنع الكوليسترول، ويصنع بعض المركبات، ويملك قدرة مدهشة على التنظيم والإصلاح والتكيف.
إلى هنا، الكلام مقبول بيولوجيًا.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الحقيقة إلى قاعدة مطلقة: بما أن الجسم يصنع، إذن هو لا يحتاج إلا إلى “مدخلات بسيطة”، أو بما أنه يملك قدرة على الإصلاح، إذن يكفي أن نوقف “المخربات” ليعود كل شيء إلى الصحة الكاملة.
هنا نحتاج إلى التوقف.
الجسم يصنع أشياء كثيرة، لكنه لا يصنع كل شيء. هناك مغذيات تسمى في العلم مغذيات أساسية، أي أن الجسم لا يستطيع تصنيعها، أو لا يستطيع تصنيعها بكمية كافية، لذلك يجب أن تأتي من الغذاء. من هذه المغذيات أحماض أمينية أساسية، وأحماض دهنية أساسية، وفيتامينات ومعادن لا غنى عنها. لهذا لا يكفي أن نقول: الجسم يعرف كيف يصنع. نعم يعرف، لكنه يحتاج مواد أولية صحيحة، وبكميات كافية، ومن مصادر متنوعة.
خذ مثلًا البروتين. صحيح أن الجسم لا يحتاج “بروتينًا جاهزًا” بالمعنى الحرفي، لكنه يحتاج أحماضًا أمينية أساسية لا يستطيع إنتاجها وحده. فإذا كان النظام الغذائي فقيرًا أو محدودًا جدًا، فقد لا يحصل الجسم على ما يكفي لبناء العضلات، وترميم الأنسجة، ودعم المناعة والإنزيمات.
ونفس الشيء مع فيتامين D. نعم، يستطيع الجسم تصنيعه في الجلد عند التعرض المناسب للشمس، لكن هذا لا يعني أن كل الناس يملكون مستوى كافيًا منه دائمًا. العمر، لون الجلد، قلة التعرض للشمس، الملابس، الموسم، السكن داخل المدن، وأمراض الامتصاص، كلها عوامل قد تجعل بعض الناس يحتاجون إلى غذاء مدعم أو مكملات تحت إشراف طبي.
إذن الخطأ ليس في القول إن الجسم مصنع. الخطأ في استعمال هذه العبارة لإلغاء التعقيد البيولوجي.
الجسم ليس مصنعًا سحريًا يعمل بلا شروط. هو مصنع يحتاج مواد أولية، ماء، طاقة، بروتينًا كافيًا، دهونًا ضرورية، فيتامينات، معادن، نومًا، حركة، توازنًا هرمونيًا، وكلى وكبدًا وأمعاء تعمل جيدًا. وإذا اختل أحد هذه العوامل، لا يكفي دائمًا أن نقول له: أصلح نفسك بنفسك.
الأجمل في البيولوجيا أنها تجمع بين أمرين: قدرة الجسم الهائلة على التنظيم، وحاجته المستمرة إلى دعم صحيح من الخارج. لذلك فالغذاء الجيد لا يعني فقط أن نختار أطعمة “طبيعية”، بل أن نختار غذاءً متوازنًا ومتنوعًا ومناسبًا لحالة الإنسان.
الإنسان المريض ليس دائمًا شخصًا “خرّب جسمه”. وقد يكون الغذاء جزءًا مهمًا من العلاج، لكنه ليس دائمًا العلاج كله. هناك حالات تحتاج دواء، وحالات تحتاج مكملات، وحالات تحتاج تحاليل، وحالات تحتاج تدخلًا طبيًا سريعًا.
لذلك، عبارة “الجسم مصنع لا مستخلص” يمكن أن تكون مدخلًا لفهم الهضم والتمثيل الغذائي، لكنها تصبح خطيرة إذا استُعملت لتبسيط المرض، أو لإلغاء التنوع الغذائي، أو للتقليل من الحاجة إلى العلاج عند من يحتاجه.
الجسم ذكي، نعم.
لكنه ليس مستقلًا عن الغذاء المتوازن.
والصحة لا تأتي من شعار واحد، بل من فهم كامل للجسم وحاجاته وحدوده.
يتبع في المقال الثالث: من “الطيب والخبيث” إلى السؤال العلمي: لمن؟ كم؟ ومتى؟
قم بكتابة اول تعليق