مصطفى عياش
مساء الأحد 12 يوليوز 2026، أوقفت المصالح الأمنية بمطار ابن بطوطة بمدينة طنجة الصحفي علي لمرابط، مباشرة بعد وصوله من إسبانيا، في إطار إجراءات قانونية مرتبطة بملفات معروضة على القضاء، وفق ما تداولته وسائل إعلام. وأعاد هذا التوقيف إلى الواجهة نقاشًا يتجدد كلما تعلق الأمر بقضايا تحظى باهتمام الرأي العام، ويتصل بحدود حرية التعبير، وبكيفية التوفيق بينها وبين مبدأ الخضوع للقانون وسيادة المؤسسات.
وخلال السنوات الماضية، ارتبط اسم علي لمرابط بسجالات إعلامية وقانونية بسبب مقالات وتصريحات تناولت مؤسسات الدولة وعددًا من المسؤولين، وكانت بعض مضامينها موضوع شكايات سلكت المسار القضائي. ومتى انتقل أي خلاف إلى هذه المرحلة، فإنه يغادر دائرة النقاش الإعلامي والسياسي ليصبح ملفًا قانونيًا تحكمه المساطر القضائية والضمانات التي يكفلها القانون لجميع الأطراف.
ومن هنا، فإن جوهر النقاش لا ينبغي أن ينحصر في الشخص المعني، وإنما في المبدأ الذي تقوم عليه دولة المؤسسات. فحين تصبح الملفات بين يدي القضاء، لا يعود الفيصل هو عدد المتابعين أو حجم التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، بل تصبح الكلمة للقانون وحده، حيث تُفحص الوقائع، وتناقش الأدلة، وتُمنح كل الأطراف حقوقها كاملة في الدفاع، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو التأويلات المتسرعة.
إن دولة الحق والقانون لا تستقيم إلا باحترام اختصاصات المؤسسات. فالقضاء هو الجهة المخول لها قانونًا الفصل في النزاعات، كما أن استقلاله يقتضي تركه يمارس مهامه بعيدًا عن الضغوط الإعلامية أو حملات التأييد والرفض. وفي المقابل، تظل قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة من المبادئ الأساسية التي لا تنفصل عن سيادة القانون، فلا إدانة قبل حكم قضائي، ولا تبرئة خارج المساطر القانونية.
ولا خلاف على أن حرية التعبير تشكل أحد أهم الحقوق التي يكفلها الدستور، غير أنها، شأنها شأن باقي الحقوق والحريات، تمارس في إطار القانون. فلا أحد فوق القانون، كما لا يجوز أن يُحرم أي شخص من الضمانات التي يقرها القانون. وعندما يعتبر أي شخص أو مؤسسة أن حقًا من حقوقه قد تعرض للمساس، فإن اللجوء إلى القضاء يبقى المسار الطبيعي الذي اختاره المشرع لحسم مثل هذه النزاعات.
ولهذا، فإن القضايا التي تصل إلى أروقة المحاكم لا ينبغي أن تتحول إلى ساحات للمحاكمات الإعلامية أو إلى استفتاءات مفتوحة على منصات التواصل الاجتماعي، لأن وظيفة القضاء ليست مسايرة الرأي العام، وإنما البحث عن الحقيقة القانونية من خلال الوقائع والأدلة، وإصدار الأحكام وفق القانون وحده.
ولعل أخطر ما تفرزه منصات التواصل الاجتماعي اليوم هو محاولة صناعة أحكام موازية لأحكام القضاء، حيث يتحول الرأي إلى إدانة، والإشاعة إلى حقيقة، والانفعال إلى حكم نهائي، في وقت لم تقل فيه العدالة كلمتها بعد. وهذا المسار لا يخدم لا حرية التعبير ولا العدالة، بل يهدد الثقة في المؤسسات، ويخلط بين الحق في إبداء الرأي وبين اختصاص القضاء في الفصل في النزاعات.
وفي النهاية، فإن الخطأ الأكبر في مثل هذه القضايا هو محاولة تحويلها إلى معركة بين مؤيدين ومعارضين، أو إلى مواجهة مفتوحة على المنصات الرقمية، لأن العدالة لا تُبنى على الانطباعات، ولا تُدار الدولة بمنطق الضجيج الإعلامي أو الحملات الإلكترونية، وإنما بمؤسسات دستورية واختصاصات واضحة يحكمها القانون.
فمتى أصبح أي ملف بين يدي القضاء، انتهى دور المنصات في إصدار الأحكام، وبدأ دور العدالة في قول الكلمة الفصل. وعندها، لا يكون الرابح الحقيقي شخصًا أو مؤسسة، بل دولة القانون نفسها، التي تكرس مبدأ المساواة أمام القانون، وتجعل القضاء وحده صاحب الكلمة الأخيرة في الفصل بين الوقائع والادعاءات، بما يعزز الثقة في المؤسسات، ويصون الحقوق والحريات، ويؤكد أن هيبة الدولة لا تكتمل إلا بسيادة القانون على الجميع.
قم بكتابة اول تعليق