قطاع الدواجن بالمغرب.. رهان العصرنة واستراتيجية التحول نحو المجازر المعتمدة بجهة الشرق

احتضنت مدينة وجدة، اليوم الخميس 9 يوليوز 2026، لقاءً تواصلياً استراتيجياً نظمته الفيدرالية البيمهنية لقطاع الدواجن (FISA) بالتعاون مع الغرفة الفلاحية والمديرية الجهوية للفلاحة بجهة الشرق. جمع بين اعضاء من الفيدرالية البيمهنية لقطاع الدواجن (FISA) والمهنيين والمستثمرين في جهة الشرق، بهدف تسليط الضوء على آفاق تطوير القطاع وتجاوز التحديات البنيوية التي تعيق مساره نحو العصرنة.

وجاء هذا اللقاء تحت شعار “عصرنة قنوات تسويق الدواجن“، بهدف رسم خارطة طريق لتحويل القطاع من النمط التقليدي إلى نظام عصري يضمن السلامة الصحية والتنافسية، تماشياً مع استراتيجية “الجيل الأخضر” حيث يطمح فيه المغرب إلى رفع حصة اللحوم البيضاء المذبوحة في مجازر معتمدة من 25% حالياً إلى 90% بحلول عام 2030، تماشياً مع استراتيجية “الجيل الأخضر”.

مفارقة القطاع: طفرة في الإنتاج وعجز في التسويق

يعد قطاع الدواجن في المغرب قصة نجاح حقيقية على مستوى السيادة الغذائية، حيث حقق الاكتفاء الذاتي بنسبة 100% في لحوم الدواجن وبيض الاستهلاك. وتكشف الأرقام عن استثمارات ضخمة بلغت 15.3 مليار درهم، برقم معاملات يصل إلى 48 مليار درهم سنوياً، ما يوفر 181 ألف فرصة شغل مباشرة.

ومع ذلك، تبرز معضلة “قنوات التوزيع” كأكبر تحدٍ؛ إذ إن 75% من الإنتاج الوطني لا يزال يمر عبر المسالك التقليدية (الأسواق الشعبية و”الرياشات”) التي تفتقر للمراقبة البيطرية الصارمة. في المقابل، لا تتجاوز حصة المجازر الصناعية المعتمدة 14% بالنسبة لدجاج اللحم، وهو ما تسعى الاستراتيجية الوطنية لرفعه إلى 90% بحلول عام 2030.

رهانات عالمية: كأس العالم 2030 كمحرك للتغيير

لم تعد العصرنة مجرد ترف تنظيمي، بل أصبحت ضرورة استراتيجية مع استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، على رأسها كأس العالم 2030. وأكد أحمد فاضل، الكاتب العام للفيدرالية، أن القطاع يجب أن يتأهل لاستقبال ملايين الزوار بمنتجات تخضع لأعلى معايير السلامة الصحية الدولية، بعيداً عن ممارسات الذبح غير المنظم التي تسيء لصورة المنتوج الوطني.

الدعم الحكومي: تحفيزات مالية لتشجيع الاستثمار

لإغراء المستثمرين بالانتقال إلى “النموذج العصري“، كشف اللقاء عن حزمة من التحفيزات المالية المهمة:

  • دعم البناء والتجهيز: تمنح الدولة إعانة تصل إلى 30% من تكلفة إنشاء المجازر الصناعية، بسقف يصل إلى 12 مليون درهم.
  • وحدات التقطيع: دعم بنسبة 10% لوحدات تقطيع اللواجن والتحويل، بحدود 3 ملايين درهم.
  • التكوين المهني: يبرز مركز “أفيبول” (Avipole) بالدار البيضاء كمنصة رائدة للتكوين والبحث، حيث استفاد منه أكثر من 13 ألف مهني، بما في ذلك متدربون من دول إفريقية، لتعزيز الكفاءات التقنية في مجال الذبح والتحويل.
  • المواكبة التقنية: تلتزم الفيدرالية بمواكبة حاملي المشاريع في إعداد الملفات الصحية والتقنية للحصول على الاعتماد الصحي من المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)،.

جهة الشرق: مؤهلات إنتاجية وعقبات عقارية

تساهم جهة الشرق بنسبة 6% من الإنتاج الوطني للكتكوت (حوالي 34.18 مليون كتكوت سنوياً)، وتتركز الاستثمارات أساساً في أقاليم وجدة والناظور وبركان. ورغم هذه الأرقام، أعرب المهنيون في وجدة عن قلقهم من “غياب الوعاء العقاري” المخصص لمشاريع المجازر في الأحياء الصناعية، مطالبين بتخصيص أجنحة خاصة لقطاع الدواجن لضمان تنافسية عادلة.

كما طرح المتدخلون إشكالية “المنافسة غير المتكافئة” مع القطاع غير المهيكل؛ حيث يجد المستثمر نفسه مطالباً بشروط صحية وتقنية صارمة من طرف “لونسا” (ONSSA)، بينما تواصل “الرياشات” عملها بترخيص من البلديات دون قيود مماثلة.

    هواجس المستثمرين: البحث عن “الربحية” والبنية التحتية خلال النقاش، حيث أعرب عدد من المهنيين بجهة الشرق عن مخاوفهم بشأن جدوى الاستثمار في المجازر العصرية في ظل منافسة “الرياشات” غير المراقبة، والتي لا تخضع لنفس الشروط الصحية الصارمة،. كما أشار المتدخلون إلى عقبة أساسية تتمثل في صعوبة إيجاد بقع أرضية في الأحياء الصناعية مخصصة حصرياً لمجازر الدواجن، مطالبين بتخصيص أجنحة خاصة لهذه المشاريع لضمان تنافسية عادلة.

    من جانبهم، شدد مسؤولو الفيدرالية على أن “المستقبل يكمن في العصرنة“، خاصة مع اقتراب تظاهرات عالمية ككأس العالم 2030، مما سيفرض معايير صحية صارمة لا يمكن تلبيتها عبر المسالك التقليدية.

    حلول مبتكرة: التعاونيات والتمويل التشاركي

    كحل لتجاوز كلفة الاستثمار العالية، طرحت الفيدرالية نموذج “التعاونيات المهنية”او “الاتحاد قوة” كحل لتجاوز كلفة الاستثمار العالية، تم اقتراح صيغة التعاونيات المهنية، حيث يمكن لمجموعة من المربين (4 أو 5 أشخاص) الاندماج لإنشاء وحدة ذبح مشتركة معتمدة، مما يقلص المخاطر المالية ويضمن استمرارية المشروع.

    وعلى مستوى التمويل، دخلت الأبناك التشاركية كشريك استراتيجي لتقديم تمويلات “المرابحة” لاقتناء العقار والمعدات، مما يوفر بدائل مرنة للمستثمرين الذين يتخوفون من القروض الكلاسيكية.

    خاتمة: الطريق نحو 2030

    يبقى تطوير قطاع الدواجن بجهة الشرق رهيناً بتضافر الجهود بين المهنيين، والسلطات المحلية لتوفير الوعاء العقاري، والفيدرالية لضمان المواكبة التقنية. إن نجاح “ثورة العصرنة” في قطاع الدواجن بجهة الشرق وباقي ربوع المملكة رهين بتفعيل المراقبة الصارمة على طول السلسلة، بدءاً من الضيعات (التي يتوفر 10 آلاف منها حالياً على تأطير بيطري) وصولاً إلى مائدة المستهلك. ويبقى الهدف الأسمى هو تحويل الوفرة في الإنتاج إلى “قيمة مضافة” تضمن الربحية للمنتج والسلامة للمواطن والسائح على حد سواء.

    قم بكتابة اول تعليق

    Leave a Reply

    لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


    *