في قلب الشرق المغربي، حيث تتمايل أشجار البرتقال تحت شمس الصباح الذهبية، وتتناثر روائح الحمضيات في أزقة بركان العتيقة، يسود صمت غريب. صمت لا يشبه هدوء الطبيعة، بل يشبه توقفاً قسرياً لنبض مدينة بأكملها. رافعات عملاقة تقف جامدة كتماثيل منسية، مواقع إنشائية تحولت إلى لوحات صامتة، وأحلام التحديث معلقة في الهواء مثل خيوط عنكبوت رقيقة.
هذا هو المشهد الذي يلتقطه شريط قصير من صفحة «Orient 49 أوريون»، يحمل تساؤلاً مؤلماً يتردد صداه في كل زاوية: «متى ينتهي جحيم توقف الأشغال ببركان؟؟؟». ليس مجرد سؤال عابر، بل صرخة جماعية ناعمة، همسة سكان يرون مدينتهم تتأرجح بين ماضٍ أصيل ومستقبل يبدو أنه تأخر في الوصول.
بركان، تلك المدينة التي تُعرف بـ«عاصمة البرتقال» وتتميز بجمالها الطبيعي الخام وتراثها الزراعي العريق، كانت تنتظر لحظة التحول. مشاريع إسكانية، بنى تحتية، فضاءات عامة جديدة… كلها كانت تعد بإعادة رسم ملامح الحياة اليومية. لكن شيئاً ما توقف. ربما إجراءات إدارية، أو إشكاليات بيئية تتعلق بمطارح النفايات، أو تعقيدات روتينية أخرى.
النتيجة واحدة: توقف يشبه الانتظار الطويل على رصيف محطة قطار لم يأتِ بعد.
يمكننا أن نتخيل السكان وهم يتجولون بين المواقع المتوقفة. امرأة ترتدي الجلابة التقليدية تمر بجانب رافعة صدئة، طفل يلعب بين أكوام الرمل المهملة، تاجر يحلم بشارع جديد يسهل حركة بضاعته. ليس مجرد بناء، بل هو نسيج حياة يتشكل. عندما تتوقف الأشغال، يتوقف معها شيء من الأمل اليومي، ومن الإحساس بأن المدينة تتقدم نحو نسختها الأجمل.
الشريط لا يصرخ، بل يهمس. يعرض المشهد ببساطة مؤثرة، ويطرح السؤال الذي يتردد في كل بيت وكل مقهى: متى تعود الحركة؟ متى يعود صوت الآلات ويختلط برائحة البرتقال الطازج؟ متى تتحول بركان إلى لوحة مكتملة تجمع بين أصالتها المغربية وأناقتها المعاصرة؟
في عالم يتحدث كثيراً عن التنمية المستدامة والمدن الذكية، تذكرنا بركان بأن التنمية ليست أرقاماً فقط، بل هي قصص بشرية. هي القدرة على الانتظار بكرامة، والأمل بأن «الجحيم» المؤقت سينتهي يوماً، ليحل محله فجر جديد يليق بجمال هذه الأرض.
حتى ذلك الحين، تبقى المدينة صامدة، جميلة رغم التوقف، ومنتظرة… مثل فستان أنيق معلق في خزانة، ينتظر اللحظة المناسبة ليرتديه صاحبه ويخرج إلى النور.
بركان تنتظر. والسؤال لا يزال معلقاً في الهواء.
الصورة معبرة وليست حقيقية
المصدر:
قم بكتابة اول تعليق