في قاعة المحكمة الابتدائية الإدارية بمراكش، وقف محامٍ شاب يرتدي رداءه الأسود للمرة الأولى. لم يكن يدافع عن موكل غريب، ولا يطالب بتعويض عن صفقة تجارية أو نزاع عقاري. كان يطالب بشيء أثقل: بحقيقة وفاة والدته، التي فارقت الحياة داخل مستشفى عمومي قبل أقل من سنة، أثناء وضع مولودها.
لم يكن هذا الملف الأول في مسيرته مجرد قضية. كان عهداً شخصياً.
في سنة 2023، أُبلغت أسرة الراحلة بأن الوفاة كانت «طبيعية»، نتيجة نزيف داخلي. تركت خلفها زوجاً وتسعة أبناء، من بينهم طفل رضيع لم يعرف أمه إلا من خلال الصور، ووالدين تجاوزا السبعين. لكن أحد أبنائها، الذي كان آنذاك طالباً في كلية الحقوق، لم يقتنع بهذه الرواية. بعد أشهر قليلة من وفاتها، أدى القسم وانضم إلى هيئة المحامين بمراكش. وفي أول ملف يحمله، قرر أن يفتح ملف والدته من جديد.
لم يكن يملك سوى شكوك أم، وإصرار ابن.
استعان بما تعلمه حديثاً من أدوات قانونية. بعد جهود استمرت أشهراً، تمكن من الحصول على أجزاء من الملف الطبي. ما قرأه لم يكن مجرد أرقام وتقارير. كان هناك تسجيل لخصاص في أدوية ومستلزمات طبية أساسية داخل قسم الإنعاش. لم يكن الأمر مجرد إهمال فردي في نظره، بل خللاً مرفقياً يتحمل النظام الصحي مسؤوليته.
رفع الدعوى أمام المحكمة الابتدائية الإدارية بمراكش، في مواجهة الدولة المغربية، في شخص رئيس الحكومة ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية. طالب بترتيب المسؤولية عن الأخطاء التي أدت، بحسب ادعائه، إلى وفاة والدته أثناء الولادة.
لم تكن المحكمة متسرعة. أمرت بإجراء خبرة طبية قضائية. الخبراء، بعد دراسة الوثائق والمعطيات، خلصوا إلى وجود أخطاء مرفقية ساهمت، بشكل غير مباشر، في الوفاة. لم يكن الحكم اتهاماً مباشراً لطبيب بعينه، بل تحميلاً للدولة مسؤولية ما حدث داخل مرفق عمومي.
في مطلع يوليوز 2026، أصدرت المحكمة حكمها. قضت بتحميل الدولة المسؤولية، وحكمت لفائدة الورثة بتعويض إجمالي قدره 330 ألف درهم، يُوزع بين الزوج والأبناء التسعة ووالدي الراحلة. رفضت المحكمة طلب التنفيذ المعجل، كما هي العادة في مثل هذه القضايا.
القصة لم تُروَ بلسان البطل نفسه. رواها زميل في الهيئة نفسها، دون أن يكشف عن هوية الشاب. ربما لأن الجرح لا يزال طرياً. وربما لأن بعض المعارك تُخاض بهدوء أكبر مما يوحي به الضجيج.
في بلد يُنظر فيه إلى القضاء الإداري أحياناً كجهاز بطيء ومعقد، اختار شاب في بداية طريقه أن يحوّل ألمه الشخصي إلى دعوى ضد الدولة. لم يطالب بملايين. لم يطالب بانتقام. طالب فقط بأن يُعترف بأن والدته لم تمت «طبيعياً»، وأن هناك مسؤولية مرفقية يجب أن تتحملها الدولة.
330 ألف درهم ليست ثروة. لكنها، في سياق هذه القضية، ليست مجرد رقم. إنها اعتراف رسمي بأن خطأً وقع، وبأن ابناً واحداً، بإصراره وحده، استطاع أن يجبر المؤسسة على الاعتراف به.
في نهاية المطاف، لم يكن الأمر يتعلق بمبلغ مالي. كان يتعلق بأن ينام طفل رضيع، عندما يكبر، وهو يعرف أن أمه لم تُترك تموت صامتة. وأن هناك محامياً شاباً، في أول قضية له، اختار أن يبدأ مسيرته ليس بالبحث عن المال أو الشهرة، بل بالبحث عن الحقيقة.
قم بكتابة اول تعليق