في قاعة فندق بمدينة وجدة، حيث تتلاقى الطرق القادمة من الحدود الشرقية مع أضواء المدينة الخافتة، اجتمع مساءً جمعٌ من الرجال بملابس مدنية وأخرى تحمل شارة الدرك الملكي. لم يكن النقيب منير نفيس يعلم أن الدعوة التي تلقاها كانت فخاً جميلاً. دخل القاعة ظاناً أنه يحضر لقاءً عادياً، فوجد نفسه محاطاً بأصدقاء وزملاء وشخصيات إدارية ومدنية، وقد وقفوا يصفقون له وقوفاً. كانت المفاجأة مُعدّة بعناية، وكان الوداع حقيقياً هذه المرة.


النقيب نفيس، وهو لا يزال في ريعان الشباب، ينتمي إلى تلك الفئة من الضباط الذين لا يُكثرون الكلام عن أنفسهم. خلال السنوات التي قضاها في عمالة وجدة أنجاد، عمل بأسلوب لا يلفت الانتباه بقدر ما يُنتج أثراً. اعتمد سياسة القرب، لا كشعار إداري، بل كطريقة يومية في التعامل: يستمع قبل أن يتكلم، ويحاول فهم المشكلة من زاوية من يعيشها، ثم يبحث عن حل يحترم نص القانون وروحه. لم يكن ذلك موقفاً نظرياً، بل ممارسة عملية في منطقة حدودية تتطلب توازناً دقيقاً بين الحزم والمرونة.
ساهم، برفقة مرؤوسيه، في تعزيز أمن الخط الحدودي للجماعات الترابية، من خلال تنسيق مستمر مع رؤسائه. لم تكن المهمة استعراضية؛ كانت عملاً يومياً يستهدف الحد من ظواهر تُهدد استقرار المنطقة وأمن سكانها. وفي ذلك المساء، لم يكن الاحتفاء موجهاً إليه وحده. تحدث المتكلمون عن جهود كل عناصر الدرك الملكي في الجهة الشرقية، وعن التنسيق بين السريات والمراكز، كأن الوداع تحول إلى مناسبة للاعتراف بجهد جماعي لا يُرى دائماً من الخارج.
الانتقال إلى أكادير ليس مجرد تغيير جغرافي. إنه جزء من حركة طبيعية في مؤسسة تُدار وفق رؤية وطنية واضحة. النقيب نفيس، كما وصفه من عرفوه، يمثل نموذج الضابط الذي يرى في خدمته امتداداً للمصلحة العليا للوطن، لا مجرد وظيفة. سيحمل معه إلى الجنوب الخبرة التي اكتسبها في الشرق، والأسلوب نفسه الذي جعله يحظى باحترام من حوله: الإنصات قبل الحكم، والمرونة التي لا تتنازل عن القانون.
عندما انتهى الاحتفال، وخرج النقيب من القاعة تحت وابل من المصافحات والابتسامات، كان الوداع قد اكتمل.
وجدة، بسهولها الواسعة وقربها من الحدود، ستظل تحمل ذكرى ضابط شاب عمل فيها بصمت وفعالية.
أما أكادير، ببحرها وأفقها المفتوح، فتستقبل ضابطاً سيستمر في النهج نفسه: الدفاع عن مؤسسته وحماية المواطنين، بكل ما يتطلبه ذلك من تفانٍ وإخلاص.
الليلة التي لم تكن في الحسبان انتهت، لكن ما صنعته من روابط وما خلّفته من أثر سيبقى أطول من الرحلة نفسها.
قم بكتابة اول تعليق