وجدة بلا تزكيات وبلا قادة: تهميش عاصمة الشرق مراكزا يدفع بعض الاحزاب اما للترقيع او الاسقاط

في الوقت الذي أنهت فيه غالبية الأحزاب السياسية المغربية حصر تزكياتها في معظم أقاليم جهة الشرق، ما تزال مدينة وجدة – عاصمة الجهة و«قلبها النابض» – تعيش حالة من الترقب والانتظار المُر. ليست المسألة مجرد تأخير إداري أو تنافس انتخابي عادي، بل هي تعبير عن ظاهرة أعمق وأخطر: غياب شبه تام لشخصيات وازنة من أبناء وجدة داخل المكاتب السياسية والأجهزة القيادية للأحزاب الوطنية الكبرى.

هذا الغياب ليس حادثاً عرضياً، ولا يقتصر على دورة انتخابية واحدة. إنه نتيجة تراكمية لآليات حزبية مركزية تُدار من الرباط والدار البيضاء، وتُفضِّل الولاءات الشخصية والتوازنات الجهوية التقليدية على حساب الكفاءات المحلية الحقيقية. حين يغيب «الصوت الوجدي» عن طاولة القرار الحزبي الوطني، تصبح قضايا المدينة – من البطالة المرتفعة إلى ضعف البنية التحتية، مروراً بملفات الحدود والتنمية الاقتصادية – مجرد «ملفات إقليمية» ثانوية، لا تفرض نفسها على أجندة الأحزاب إلا في مواسم الانتخابات.

أسباب غياب «الصوت الوجدي» داخل الأجهزة القيادية

أولاً، المركزية الحزبية المُفرطة. معظم الأحزاب المغربية – حتى تلك التي تُوصف بـ«القوية وطنياً» – لا تزال تعاني من هيمنة نخب مركزية تُدار من العاصمة. الكفاءات المحلية في الجهات الهامشية مثل الشرق تُستدعى فقط لـ«التعبئة» أو «الترشيح» في الدوائر، لكنها نادراً ما تُرفع إلى المستويات القيادية الحقيقية (المكاتب السياسية، المجالس الوطنية، أو لجان الاستراتيجية). هذا النموذج يعكس أزمة ديمقراطية داخلية مزمنة: غياب التداول الحقيقي، وترسيخ «الزعامات الأبدية»، وتغليب الولاء على الكفاءة.

ثانياً، الصعوبة الملحوظة في حسم المرشحين في وجدة، حتى لدى أحزاب تُعتبر «قوية وطنياً». هذا التأخير ليس بريئاً؛ فهو يعكس عدم وجود «شبكات نفوذ» وجدية قوية داخل هذه الأحزاب. حين تكون الشخصيات المحلية ضعيفة التمثيل في المراكز القيادية، يصعب عليها فرض نفسها كمرشح «طبيعي» أو «غير قابل للنقاش». في المقابل، تُحسم التزكيات بسرعة في أقاليم أخرى لأن هناك «رجالاً أقوياء» داخل المكتب السياسي يدافعون عن «حصتهم الجهوية».

ثالثاً، التهميش التراكمي للجهات الشرقية في الخارطة السياسية الوطنية. وجدة، رغم موقعها الاستراتيجي كبوابة المغرب نحو الشرق والجزائر، ظلت طوال عقود تعاني من «التهميش المزدوج»: جغرافياً واقتصادياً وسياسياً. الأحزاب، التي غالباً ما تُبنى قياداتها على أساس توازنات جهوية تقليدية (الشمال، الجنوب، الوسط)، لا تجد في الشرق «حليفاً استراتيجياً» قوياً يُفرض في المفاوضات الداخلية.

التأثيرات: من الغياب الحزبي إلى الإقصاء التنموي

هذا الغياب ليس مجرد «إحراج انتخابي» مؤقت. إنه يُنتج تداعيات خطيرة على المدى المتوسط والبعيد:

  • ضعف الترافع عن قضايا الجهة: بدون صوت قوي داخل مراكز القرار، تظل ملفات الاستثمار، البنيات التحتية، والتنمية الاقتصادية في وجدة «ملفات إقليمية» لا تحظى بالأولوية الوطنية.
  • تراجع الثقة الشعبية في العمل الحزبي: المواطن الوجدي يرى أن أحزاباً «قوية وطنياً» لا تستطيع حتى حسم مرشح واحد بسرعة في عاصمة الجهة. هذا يُغذي الشعور بالإقصاء ويُفاقم العزوف الانتخابي.
  • تعميق الفوارق الجهوية: حين تُدار الأحزاب من مركز بعيد عن الواقع المحلي، تتحول السياسة إلى لعبة أرقام وتوازنات، لا إلى أداة للإنصاف الترابي.
  • فقدان الكفاءات المحلية: الشباب والكفاءات الوجدية المؤهلة يفضلون إما الابتعاد عن العمل الحزبي أو الهجرة نحو المدن الكبرى، مما يُفرغ المنطقة من نخبها السياسية المستقبلية.

هل من أمل في تصحيح المسار؟

الأحزاب السياسية المغربية مطالبة اليوم بإدراك أن قوتها الحقيقية لا تُقاس بعدد المقاعد البرلمانية فقط، بل بقدرتها على احتضان كل الجهات وتمكين كفاءاتها المحلية من مواقع التأثير الحقيقي. وجدة لا تحتاج فقط إلى مرشحين في يوم الاقتراع؛ إنها تحتاج إلى مدافعين عنها داخل المكاتب السياسية، حيث تُصنع التزكيات، وتُرسم الاستراتيجيات، وتُحدد الأولويات الوطنية.

إذا استمرت الأحزاب في التعامل مع عاصمة الشرق كـ«دائرة انتخابية عادية» وليست «جهة استراتيجية»، فإنها ستُساهم – عن قصد أو عن غير قصد – في تعميق الشعور بالتهميش الذي يُغذي بدوره الإحباط السياسي. أما إذا أدركت أن الإنصاف الجهوي جزء لا يتجزأ من مصداقيتها الوطنية، فإن وجدة قد تجد أخيراً من يدافع عنها داخل مراكز القرار…

فهل من مجيب قبل أن يتحول الانتظار إلى استياء دائم؟.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*