فنجان قهوة يجمع الشوارع: حكايات إنسانية من قلب اقتصاد المقاهي المغربية

في صباح باكر من أيام الربيع، وصلت إلى الدار البيضاء لحضور حفل تكريم الأستاذ محمد عبد الرحمن برادة الذي نظمته مؤسسة الزرقطوني للثقافة والأبحاث. بعد رحلة طويلة، جلست في مقهى “فرنسا” على رصيف شارع محمد الخامس. طلبت إسبريسو بـ28 درهماً، وفتحت حاسوبي لأرتب أوراقي. حولي، أصوات الضحك الخافتة تختلط برنين الأكواب ورائحة القهوة المحمصة الطازجة، بينما يمرّ المارة بسرعة وهم يتبادلون التحيات. في تلك اللحظة، أدركت أن المقهى ليس مجرد مكان لشرب القهوة، بل لحظة استراحة حقيقية في يوم حافل، أو فرصة لتثبيت علاقة، أو حتى لقاء عابر قد يتحول إلى شيء أكبر.

على بعد كيلومترات قليلة فقط، في حي شعبي بضواحي المدينة نفسها، يختلف المشهد تماماً. يجلس ثلاثة شبان في الثلاثينيات حول طاولة خشبية مهترئة قليلاً. أمامهم فنجان قهوة بـ10 دراهم للواحد، وورق لعب. يضحكون بصوت عالٍ، يشكون من «الأيام الصعبة»، ثم يعودون للضحك. أحدهم يقول بصوت هادئ: «هنا على الأقل ننسى الهموم لساعتين… خارج المقهى، الفراغ يقتلنا».

هذا التباين ليس مجرد اختلاف في الأسعار أو الديكور. إنه يعكس كيف أصبحت المقاهي في المغرب أكثر من مجرد مشروع تجاري. هي مرآة للحياة اليومية، ومساحة تتغير طبيعتها حسب الشارع الذي توجد فيه.

فنجان قهوة يجمع الشوارع: حكايات إنسانية من قلب اقتصاد المقاهي المغربية插图

في الشوارع الحية… المقهى جسر للعلاقات

في الأحياء الراقية والشوارع الرئيسية للمدن الكبرى (الدار البيضاء، الرباط، مراكش، طنجة)، تتحول المقاهي إلى مساحات اجتماعية راقية. الزبائن هنا يأتون للعمل عن بعد، للاجتماعات غير الرسمية، أو للاسترخاء بعد يوم طويل. الإسبريسو قد يصل إلى 25-35 درهماً، والمكان يقدم واي فاي سريعاً، كراسي مريحة، وأحياناً موسيقى هادئة.

صاحبة مقهى عصري في حي «المعاريف» بالدار البيضاء تقول بفخر: «زبائني يأتون كل يوم في نفس الوقت. بعضهم يعقد صفقاته هنا، وبعضهم يلتقي بحبيبته. المقهى أصبح جزءاً من روتينهم اليومي».

هنا، يشعر الزبون أنه يدفع مقابل تجربة وليس فقط مشروباً. هامش الربح على المشروبات يصل إلى 60-70%، لكن التكاليف مرتفعة أيضاً: الإيجار في الشوارع الرئيسية قد يصل إلى 30-50 ألف درهم شهرياً، بالإضافة إلى فواتير الطاقة التي تمثل 10-15% من المصاريف.

في الشوارع المهمشة… المقهى درع ضد الفراغ

أما في الأحياء الشعبية والمدن الصغيرة والشوارع الهامشية، فتأخذ المقاهي دوراً مختلفاً تماماً. هنا، لا أحد يأتي «للعمل عن بعد». الناس يأتون ليكونوا مع بعضهم.

محمد، شاب عاطل عن العمل في حي شعبي بفاس، يقضي يومياً من الساعة العاشرة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر في المقهى القريب من بيته. يقول بصراحة: «لو ما كانش المقهى، كنت غادي نبقى في الدار ونفكر في المشاكل فقط. هنا كنتسمع نكت، كنتشاور مع الخوت، كنتحس براسي إنسان».

في هذه المقاهي، سعر الفنجان يتراوح بين 8 و15 درهماً فقط. الزبائن ثابتون، والعلاقة مع صاحب المقهى غالباً ما تكون أقرب إلى «صديق العائلة». المقهى هنا يصبح مكان مقاومة: مقاومة البطالة، الوحدة، والشعور بالتهميش. يلعب الشباب الورق، يشاهدون المباريات، يتشكون، وأحياناً يجدون فرصة عمل عابرة عبر حديث عابر.

فنجان قهوة يجمع الشوارع: حكايات إنسانية من قلب اقتصاد المقاهي المغربية插图1

خلف كل فنجان… أرقام ووجوه بشرية

يُعد قطاع المقاهي في المغرب أحد أعمدة الاقتصاد غير المهيكل. يضم قرابة 200 ألف وحدة على المستوى الوطني، وتستأثر الدار البيضاء وحدها بنحو 20 ألف مقهى. يوفر القطاع أكثر من مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

لكن هذه الأرقام تخفي قصصاً إنسانية معقدة. صاحب مقهى في حي هامشي بمراكش يدفع إيجاراً معقولا (حوالي 5000-7000 درهم)، لكنه يعاني من ارتفاع أسعار البن والحليب والسكر. يقول بمرارة: «الناس كيبقاو يجيو، ولكن الربح كيتناقص. كل شهر كنزيد في المصاريف وأنا خايف نرفع الأثمنة باش ما يهربوش الزبائن».

النادل (الكرسون) أو معد القهوة (الباريستا) يتقاضى عادة بين 3000 و6000 درهم شهرياً، بالإضافة إلى «البقشيش» الذي يشكل جزءاً مهماً من دخله. كثير منهم يعيلون أسراً كاملة بهذا الدخل المتواضع.

التحديات… والأمل في الاستمرار

اليوم، يواجه القطاع ضغوطاً كبيرة: ارتفاع مؤشر أسعار المطاعم والمقاهي إلى مستويات تاريخية، صعوبة التصريح بالعمال في CNSS، ورسوم احتلال الملك العمومي. الحكومة تعمل على قانون جديد يهدف إلى تنظيم القطاع وإدماج المقاهي غير المهيكلة.

لكن بالنسبة لكثير من أصحاب المقاهي والزبائن، الأمر أعمق من القوانين والأرقام. المقهى ليس مشروعاً فقط، بل مساحة حياة.

سواء كنت تجلس في مقهى راقٍ على رصيف شارع رئيسي مثل مقهى فرنسا الذي جلست فيه ذلك الصباح، أو في مقهى شعبي في زقاق هامشي، فأنت تشارك في نفس الطقس: طقس الجلوس، الحديث، والانتظار.

فنجان القهوة في المغرب ليس مشروباً فقط… هو لحظة إنسانية تختلف حسب الشارع… لكنها تبقى دائماً ضرورية.

تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*