موجة الحر وحدود الفعل الحكومي: خرافة “تفعيل المنظومة الوطنية الخاصة بموجات الحرارة”

في كل صيف، حين ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات تُربك حتى الطبيعة نفسها، تُسارع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى إصدار بلاغاتها المعتادة، التي تُذكّر المواطنين بما ينبغي عليهم فعله حيال ظاهرة لا تملك الدولة، في واقع الأمر، القدرة على منعها أو التخفيف من حدتها بشكل جذري.

هذه المرة أيضاً، دعت الوزارة المواطنين إلى شرب الماء بكميات كافية، وتجنب الخروج في ساعات الذروة، وارتداء ملابس خفيفة، والبقاء في أماكن مهواة. وهي توصيات تبدو، للوهلة الأولى، بديهية إلى حد يجعل المرء يتساءل عمّا إذا كان المواطن بحاجة فعلاً إلى بلاغ رسمي ليتذكر أن الجسم يحتاج إلى الماء حين يتعرق، وأن الشمس في عز الظهيرة ليست مكاناً مثالياً للنشاط البدني.

كما جرت العادة، أعلنت الوزارة عن «تفعيل المنظومة الوطنية الخاصة بموجات الحرارة»، وهو تعبير يوحي بوجود آلية استثنائية وفعالة، بينما هو في جوهره تكرار سنوي لتعزيز اليقظة والتوعية، دون أن يتعدى ذلك في الغالب حدود التعبئة الإعلامية وتأمين الحد الأدنى من الجاهزية في المستعجلات. أما مسؤولية تفقد أحوال المسنين والمرضى، فقد أُلقيت، كالعادة، على عاتق الأسر والمحيط الاجتماعي، وكأن الدولة تُذكّر بأنها لا تستطيع أن تكون حاضراً في كل بيت.

هذا النوع من البلاغات يعكس، بأسلوب مهذب وغير مباشر، واقعاً سياسياً واضحاً: أن قدرة الدولة على التدخل المباشر في مواجهة الظواهر الطبيعية الكبرى محدودة، تماماً كما هي محدودة في مجالات أخرى تلامس الحياة اليومية للمواطن العادي.

فالحكومة لا تستطيع أن تخفض درجة الحرارة، كما لا تستطيع أن تحول دون ارتفاع الأسعار أو أن تضمن جودة الخدمات العمومية في كل وقت ومكان.

لذلك، يصبح دورالحكومة، في مثل هذه الظروف، دور الناصح والمذكّر، لا دور الفاعل القادر على تغيير المعطيات.

ومن هذا المنطلق، يبدو من الواجب على المواطن أن يُبدي الامتنان اللائق للجهود التي تبذلها الوزارة في تذكيره بضرورة اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وفي تفعيل ما تستطيع تفعيله من آليات توعوية وصحية.

ففي ظل محدودية الإمكانيات التدخلية أمام الظواهر الطبيعية، يصبح هذا التذكير في حد ذاته شكلاً من أشكال المسؤولية التي تمارسها الدولة ضمن حدود ما هو متاح لها.

إن المواطن، إذ يتلقى هذه التوجيهات كل صيف، يدرك جيداً أن عليه أن يتحمل، في نهاية المطاف، الجزء الأكبر من مسؤولية حماية نفسه وأسرته، وأن يُقدّر في الوقت نفسه أي جهد رسمي، مهما كان متواضعاً، يسعى إلى تقليص المخاطر التي لا تملك الدولة القدرة الكاملة على إزالتها.

في النهاية، تبقى الحرارة أقوى من البلاغات، والمواطن هو من يدفع ثمن هذا الاختلال بين ما تستطيع الدولة فعله وما لا تستطيع.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*