
في خطوة لافتة، وجهت النقابة الوطنية للتعليم العالي – بصفتها ممثلة لأساتذة الجامعات والباحثين، ومن بينهم أساتذة القانون – طلباً رسمياً إلى رئيس مجلس المنافسة تطالب فيه بإبداء رأي حول تأثير بعض مقتضيات مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة على حرية المنافسة والولوج المنصف إلى سوق الخدمات القانونية.
يستند الطلب، الموقَّع من الكاتب العام للنقابة الدكتور الهبري هبري، إلى إطار مرجعي رفيع: التوجيهات الملكية السامية في خطاب العرش لـ29 يوليوز 2019 التي تدعو إلى الانفتاح على الخبرات والاستثمار في المهن الحرة، والمبادئ الدستورية (الفصول 35، 36، 166) التي تكرس حرية المبادرة والتنافس الحر وتكافؤ الفرص، إلى جانب دراسة سابقة لمجلس المنافسة نفسه سنة 2013 حول المهن المنظمة التي صنَّفت المغرب في مقدمة الدول الأكثر تقييداً للمنافسة.
القلب النابض للطلب: المادة 13 و«القيد الكمي»
يركز الطلب بشكل خاص على المادة 13 من مشروع القانون، التي تعفي أساتذة التعليم العالي المتخصصين في القانون من شهادة الكفاءة ومن فترة التمرين (مع سنة واحدة فقط بمكتب محامٍ)، لكنها تفرض عليهم شروطاً صارمة: قضاء ثماني سنوات على الأقل بعد الترسيم في التدريس، بلوغ إطار «أستاذ التعليم العالي»، ثم تقديم الاستقالة أو الإحالة على التقاعد.
ترى النقابة أن هذه الشروط تحول الإعفاء إلى «قيد كمي» يؤجل ولوج الكفاءات الأكاديمية إلى سوق الخدمات القانونية إلى ما بعد «تعطيل قيمتها التنافسية»، ويحرم السوق من رأسمال معرفي متخصص في مجالات دقيقة (قانون الأعمال، المنافسة، التحكيم، الملكية الفكرية…). وتستند النقابة إلى تجارب مقارنة (فرنسا، الجزائر، بريطانيا) تُظهر أن الانفتاح على الأساتذة الجامعيين يعزز جودة الخدمات دون المساس باستقلال المهنة.
تساؤل حول حسن النية: أين التوازن والمبادلة؟
رغم قوة الحجج الاقتصادية والدستورية التي يوردها الطلب، يثير التوقيت والانتقائية بعض التساؤلات حول مدى حسن النية في الدفاع عن «حرية المنافسة». فالنقابة الوطنية للتعليم العالي – التي ترفض عادةً أي تقييد للحريات الأكاديمية – لم تحرّك ساكناً بنفس الحماس حين كانت قوانين التعليم العالي (كمشروعي 54.29 و59.24) تُشدد شروط الولوج إلى هيئة التدريس: دكتوراه، منشورات علمية، مباريات تنافسية، ومسار أكاديمي صارم.
السؤال المركزي الذي يطرح نفسه: هل يحق للمحامي ممارسة التدريس تلقائياً بحكم التخصص في مدرجات الجامعات المغربية؟
الواقع يجيب: لا.
المحامون يُستدعون بانتظام كـ«محاضرين ضيوف» أو «أساتذة زائرين» في الماستر والدكتوراه لتقديم الجانب العملي، لكن الاندماج الكامل في سلك أساتذة التعليم العالي يظل محكوماً بمسار أكاديمي صارم لا يمنح للممارسين «تلقائياً» أي ميزة. لا يوجد تنافي مطلق يمنع المحامي من التدريس جزئياً، لكن الولوج إلى الإطار الرسمي للأستاذ الباحث يتطلب مؤهلات أكاديمية لا تتوفر لدى معظم المحامين.
بهذا المعنى، يبدو الطلب انتقائياً: يطالب بفتح سوق المحاماة أمام الأساتذة (مع الحفاظ على رواتبهم الجامعية أو بعد التقاعد)، بينما يصمت عن فتح سوق التدريس الجامعي أمام المحامين بنفس الدرجة. هذا اللاتوازن يثير شبهة «التنظيم الريعي» الذي حذرت منه النقابة نفسها في الطلب: استخدام لغة المصلحة العامة والمنافسة لخدمة مصالح فئة معينة.
ما الرهان الحقيقي؟
سوق الخدمات القانونية في المغرب لا تزال مقيدة نسبياً، كما أظهرت دراسة مجلس المنافسة 2013. فتحها أمام كفاءات أكاديمية متخصصة يمكن أن يرفع جودة الدفاع، يخفض التكاليف، ويعزز الثقة في العدالة. لكن التنظيم الذكي يقتضي مبادلة حقيقية: إذا أُريد رفع الحواجز أمام الأساتذة، فيجب أيضاً تسهيل انفتاح الجامعة على الممارسين دون المساس بجودة التكوين.
مجلس المنافسة، كهيئة مستقلة، مدعو اليوم إلى إجراء اختبار موضوعي: هل المادة 13 (والمقتضيات المشابهة) ضرورية لحماية استقلال المحامي وجودة الخدمة، أم أنها قيد غير متناسب يُؤجل دخول كفاءات ويرفع تكلفة الولوج إلى العدالة؟
الإجابة لن تكون فنية فحسب؛ بل ستكون سياسية واقتصادية: هل نختار نموذجاً مغلقاً يحمي «الأسر المهنية»، أم نموذجاً مفتوحاً يخدم المواطن والمستثمر والعدالة؟
في زمن يدعو فيه جلالة الملك إلى «الإقلاع الشامل» وكسر الخوف من الانفتاح، يظل صوت مجلس المنافسة حاسماً: هل سنكسر الحواجز… أم نعيد ترتيبها لصالح من يملكونها بالفعل؟
قم بكتابة اول تعليق