في أحد محلات الوجبات الخفيفة بوجدة، كنت أنتظر دوري بهدوء. الهواء ثقيل برائحة الزيت الساخن والتوابل، والزبائن يقفون في صفوف متراخية، كلٌّ ينظر إلى هاتفه أو إلى الشارع. فجأة، انشقّ الصمت بصوت محرك دراجة نارية عالٍ، صوتٌ يسبق صاحبه كإعلان عن وصول طارئ.
شاب في الثلاثينيات، يرتدي جاكيتاً خفيفاً متسخاً ببقع الطريق، ينزل من دراجته بسرعة. على ظهره صندوق أسود كبير يحمل شعار تطبيق التوصيل، وعلى كتفه يتمايل كيس كرتوني ثقيل. الهاتف ملتصق بأذنه اليسرى، واليد اليمنى تمسك بالصندوق كأنه درع. لم ينظر إلى أحد. مرّ بجانب الصف كأنه غير مرئي، أو كأن الجميع يعرف أن وقته أغلى من وقتهم.
أخذ طلبه وانطلق. صوت المحرك يبتعد تدريجياً في شوارع وجدة المزدحمة، تاركاً وراءه رائحة بنزين خفيفة وصورة شاب يركض خلف لقمة عيشه.
هذا المشهد لم يعد استثناءً. في كل مدينة مغربية، وعلى مدار اليوم، يتحرك مئات الشباب على دراجات نارية، يحملون على ظهورهم صناديق ملونة تحمل أسماء تطبيقات أصبحت جزءاً من المشهد الحضري: غلوفو، جوميا فود، وغيرها. هم «سعاة العصر الرقمي». لا يرتدون بزات رسمية، ولا يحملون حقائب جلدية أنيقة، بل صناديق بلاستيكية تتعرض للشمس والمطر والغبار. يبدأ يومهم مبكراً وينتهي متأخراً، بين إشارة حمراء وأخرى، بين زحمة ومخاطرة، وبين طلبية دجاج مقلي وأخرى بيتزا باردة قد تصل متأخرة.
الدراجة النارية هنا ليست وسيلة ترفيه ولا رمز حرية كما في أفلام الطريق. هي أداة عمل يومية، وأحياناً الوسيلة الوحيدة للبقاء. صيانتها من جيوبهم، وقودها من جيوبهم، وحوادثها أيضاً. كثير منهم يعملون أكثر من عشر ساعات يومياً، ويتقاضون أجراً يعتمد على عدد الطلبيات، لا على ساعات العمل. لا تأمين صحي ثابت، ولا ضمان اجتماعي، ولا حتى يوم عطلة مضمون. الطقس لا يرحم، والزبون أحياناً لا يرحم، والطريق أقل رحمة.
وراء كل دراجة قصة. شاب تخرج من الجامعة ولم يجد عملاً يليق بشهادته، فاختار التوصيل «مؤقتاً» حتى يجد شيئاً أفضل. شاب آخر يعيل أسرة، ويحاول أن يوفر لأبنائه ما لم يتوفر له. وثالث يحلم بدراجة أفضل أو بمشروع صغير، لكنه يجد نفسه كل يوم يعود إلى نفس الدراجة والصندوق نفسه. هم ليسوا «كسالى» ولا «غير طموحين». هم شباب يحاولون النجاة في اقتصاد يعد بالفرص لكنه يقدم القليل منها.
في النهاية، لا يحمل هؤلاء الشباب فقط وجبات جاهزة. يحملون على أكتافهم ثقل مرحلة كاملة: مرحلة يُترك فيها الشباب ليجدوا بأنفسهم سبلاً للعيش، بينما تكتفي الجهات الرسمية بالخطابات الغراء عن «تمكين الشباب» و«الفرص الاقتصادية» و«التنمية المستدامة».
خطابات أنيقة تُلقى في قاعات مكيفة، بينما الشباب العذراء يواجهون وحدهم حر الطريق وزحمته وخطره، بلا شبكة أمان حقيقية ولا سياسات تحميهم من استغلال الاقتصاد الرقمي الجديد.
ربما حان الوقت لأن ننظر إليهم لا كـ«سعاة طعام» فقط، بل كمرآة تعكس ما يحدث فعلاً لجيل كامل. جيل يركض بسرعة الدراجة، لكنه يحلم بأن يصل يوماً إلى مكان يستحق الوقوف فيه بهدوء.
قم بكتابة اول تعليق