
الرباط – 6 يونيو 2026
في مشهد سياسي يصلح لأن يكون مادة للتأمل، نجحت إشاعة واحدة فيما فشل فيه ملف دعم عمومي ضخم موجَّه لمستوردي الأغنام واللحوم والكسابة: توحيد أحزاب الأغلبية والمعارضة حول هدف مشترك، هو نفي خبر رفض تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق.
وأول ما ينبغي التأكيد عليه بوضوح تام: الإشاعات المتعلقة برفض تشكيل هذه اللجنة غير صحيحة تماماً. لا يوجد أي دليل أو معطى رسمي يؤكد تلك الادعاءات، ولم تثبت أي وثيقة أو تصريح رسمي وجود قرار بالرفض. الإشاعة انتشرت وانتشر نفيها بسرعة البرق، لكن الحقيقة الموضوعية تبقى أن لا ما يدعم صحتها.
ومع ذلك، فإن ما يهم المواطن العادي ليس مدى صحة الإشاعة بحد ذاتها، بل ما تعكسه من رغبة شعبية واضحة في تشكيل لجنة تقصي الحقائق حول ملف الدعم العمومي. يرى المواطن أن الإشاعة – سواء كانت صحيحة أم لا – كانت تعبيراً عن مطلب حقيقي: فتح تحقيق برلماني شفاف يوضح لوائح المستفيدين، ومعايير الاستفادة، وحصيلة الدعم، وآثاره الفعلية على أسعار اللحوم. لكن الأحزاب، سواء في الأغلبية أو المعارضة، اكتفت بالتهافت على النفي الجماعي، وكأن ذلك يكفي، دون أن تعمل فعلياً على إنشاء اللجنة أو حتى المطالبة بتشكيلها.
خلال أيام معدودة، تحولت الساحة السياسية إلى خلية نحل نشيطة. تصريحات متتالية، بيانات رسمية، توضيحات، وتكذيبات سريعة، كأن البلاد تواجه أزمة وطنية كبرى تهدد استقرار المؤسسات. فجأة، اكتشف المواطن أن الأحزاب قادرة على التحرك بسرعة البرق حين يتعلق الأمر بحماية صورة الحكومة، وأن قنوات التواصل السياسي ليست معطلة تماماً، وأن المسؤولين يجيدون الحديث بلغة واضحة ومباشرة عندما يشعرون بأن سمعتهم السياسية مهددة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا لا تظهر هذه الحيوية ذاتها عندما يتعلق الأمر بتقديم معلومات دقيقة للرأي العام عن كيفية صرف الأموال العمومية؟ لماذا لا تُبذل الجهود نفسها لتوضيح لوائح المستفيدين، ومعايير الاستفادة، وحصيلة الدعم، وآثاره الحقيقية على أسعار اللحوم؟ لو أن الأحزاب بذلت نفس الطاقة في المطالبة بتشكيل اللجنة التي بذلتها في نفي الإشاعة، لكان المواطن قد حصل على إجابات حقيقية بدل مجرد تكذيبات.
«الإشاعة لم تنتهِ.. بل غذّاها التهافت على تكذيبها»
التهافت الجماعي على نفي الخبر لم يُنهِ الجدل، بل أجّجه. فحين تتسابق أطراف متعددة لنفي أمر ما بهذه السرعة والتنسيق، يميل المواطن إلى التساؤل أكثر من الاقتناع. الثقة لا تُبنى بالتكذيب وحده، بل ببيئة سياسية تُشبع الرأي العام بالمعلومات الواضحة، وتُترجم المطالب الشعبية إلى أفعال ملموسة كتشكيل لجنة تقصي الحقائق.
تحولت قضية الأضاحي وأسعار اللحوم إلى جرح اجتماعي مفتوح. المغاربة، الذين يرتبط وجدانهم وذاكرتهم الجماعية بعيد الأضحى كمناسبة للفرح والتكافل والرحمة، وجدوا أنفسهم أمام واقع مغاير تماماً: أسعار مرتفعة، قدرة شرائية منهكة، ودعم عمومي ضخم لم تظهر آثاره كما كان متوقعاً. بينما كان المواطن ينتظر أن «يُفدى» من غلاء الأسعار على غرار قصة سيدنا إبراهيم وإسماعيل، وجد نفسه أمام «الفراقشية» والسماسرة الذين حوّلوا المناسبة الدينية إلى موسم للمضاربة والربح السريع.
تقصي الحقائق.. ليس تهديداً بل ضمانة للديمقراطية
في مثل هذا السياق، يصبح مطلب تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق أمراً طبيعياً وليس استثنائياً. الديمقراطيات الراسخة لا تعتبر التحقيق البرلماني خطراً عليها، بل وسيلة لحماية شرعيتها. لجان التحقيق في الولايات المتحدة كشفت فضيحة ووترغيت، وساهمت في آيسلندا في فهم أسباب الانهيار المالي، وصحّحت اختلالات خطيرة في تدبير المال العام في دول أخرى. لم تنهار تلك الدول بسبب البحث عن الحقيقة، بل ازدادت قوتها.
أما في المغرب، فلم تعد القضية مقتصرة على ملف الدعم المخصص للأغنام واللحوم، بل أصبحت مرتبطة بأمر أعمق: الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم. الإشاعة التي انتشرت لم تكن مجرد خبر متداول، بل تعبيراً عن مزاج عام يشعر بالقلق ويبحث عن أجوبة. وفي علم النفس الاجتماعي، لا تنتشر الإشاعات في فراغ، بل تجد تربة خصبة من الشكوك والأسئلة غير المجاب عنها – وأبرزها: لماذا لا تتحرك الأحزاب لتشكيل اللجنة بدل الاكتفاء بنفي الإشاعة؟
الرهان الحقيقي: شفافية تُعيد بناء الجسور
الأحزاب التي سارعت إلى نفي الإشاعة مطالبة اليوم بأكثر من إصدار بيانات. هي مطالبة بالدفاع عن حق المواطن في معرفة الحقيقة كاملة، ومطالبة أيضاً بالانتقال من مرحلة النفي إلى مرحلة العمل: إما تشكيل اللجنة أو المطالبة الجادة بإنشائها. الحكومة الواثقة من سلامة قراراتها لا تخشى لجان التقصي، بل تستفيد منها لتأكيد نزاهة اختياراتها وتبديد الشكوك.
إن أفضل رد على الإشاعات ليس نفيها فقط، بل بناء مناخ من الشفافية يجعل المواطن يثق في مؤسساته أكثر مما يثق في ما يتداول على مواقع التواصل الاجتماعي. فالمشهد الذي يرى فيه المواطنون الأحزاب تتسابق لإطفاء إشاعة في ساعات، بينما ينتظرون شهوراً وسنوات للحصول على معطيات دقيقة حول قضايا تمس معيشتهم اليومية – ودون أن يتحرك أحد لتشكيل اللجنة المطلوبة – يحمل سخرية سياسية لاذعة.
الرهان الحقيقي اليوم ليس إثبات صحة إشاعة أو نفيها، بل إعادة بناء الجسور بين المواطنين ومؤسساتهم. الديمقراطية لا تقوى بالتكذيب وحده، بل بالشفافية. ولا تحمى بإغلاق الأسئلة، بل بفتحها عبر أدوات دستورية مثل لجان التقصي. ولا تكتسب ثقة الناس عبر البيانات المتلاحقة، بل عبر الحقائق الواضحة التي لا تترك مجالاً واسعاً للإشاعات كي تنمو وتتكاثر.في النهاية، ليست المشكلة أن المواطنين صدقوا إشاعة، بل أن المناخ العام جعل كثيرين يرون فيها احتمالاً وارداً، وأن الأحزاب اكتفت بالنفي تهرباً من الالتزام الفعلي بتشكيل اللجنة. وهذا وحده كافٍ ليدق الجميع ناقوس المراجعة قبل فوات الأوان.
قم بكتابة اول تعليق