اتحاد بريس.. حين تلتقي رؤية إدريس لشكر بصرامة محمد الهيتمي في صناعة إعلام الغد

بقلم: مصطفى عياش

ليست كل الولادات الإعلامية سواء، فهناك مشاريع تأتي لتملأ فراغاً عابراً في سوق الإعلام، وهناك مشاريع تحمل معها تاريخاً كاملاً من النضال الفكري والسياسي والصحفي، فتتحول لحظة انطلاقتها إلى حدث يستحق التوقف والتأمل. ومن هذا المنطلق تابعت باهتمام خاص إطلاق مجموعة “اتحاد بريس” لهويتها البصرية الجديدة ومنصاتها الرقمية الحديثة، ليس فقط باعتبارها تجربة إعلامية جديدة، ولكن لأنها تمثل امتداداً لمسار صحفي ارتبط بجزء مهم من تاريخ المغرب الحديث.

فالصحافة الاتحادية لم تكن مجرد جرائد تصدر وتوزع، بل كانت مدرسة حقيقية في الدفاع عن الرأي والتعددية وقضايا المجتمع. فمن “التحرير” إلى “المحرر”، ثم “الاتحاد الاشتراكي” و”ليبراسيون”، تشكلت أجيال من الصحافيين والمثقفين الذين جعلوا من الكلمة الحرة وسيلة للدفاع عن القيم الديمقراطية وعن قضايا الوطن والمواطن.

ولعل ما يجعلني أكتب عن هذه المحطة الإعلامية بكثير من التقدير والاعتزاز، أنني كنت جزءاً من هذه الذاكرة المهنية. فقد كانت بدايتي الصحفية سنة 1973 داخل جريدة “المحرر”، التي حملت آنذاك مشعل الصحافة الاتحادية بكل ما كانت تمثله من التزام فكري ومهني وارتباط بقضايا المجتمع.

ولم تتوقف رحلتي المهنية عند هذا المنبر، بل امتدت إلى تجارب إعلامية أخرى أغنت رؤيتي للمهنة ووسعت آفاقها. فقد التحقت بجريدة “الميثاق الوطني” لسان حال التجمع الوطني للأحرار، ثم بجريدة “رسالة الأمة” لسان حال الاتحاد الدستوري، كما خضت تجربة إعلامية عربية بدولة قطر من خلال مجلة “العهد القطرية” بمدينة الدوحة سنتين، وهي محطة أضافت إلى رصيدي المهني أبعاداً جديدة في فهم الإعلام خارج السياق الوطني.

وعند عودتي إلى المغرب، كان لي شرف الانتماء إلى فريق جريدة “الصحراء المغربية” منذ انطلاقتها الأولى داخل مؤسسة “ماروك سوار”، مؤسسها وزير الدولة المرحوم مولاي أحمد العلوي والتي تصدر أيضاً جريدة “لو ماتان” باللغة الفرنسية، حيث قضيت ثمانية وعشرين عاماً من العمل الصحفي المتواصل إلى أن أحلت على التقاعد. وخلال هذه الرحلة الطويلة عايشت تحولات الإعلام المغربي من زمن الرصاص الساخن للمطابع الورقية إلى زمن المنصات الرقمية والتواصل الفوري، وواكبت مختلف التحولات التي عرفتها المهنة وأجيالها المتعاقبة.

ولعل أجمل ما استوقفني في حفل إطلاق مجموعة “اتحاد بريس” الجديدة هو ذلك المعنى الرمزي العميق الذي حملته تفاصيل هذا الحدث. فبينما كنت أتابع مجرياته، شدني حضور محمد الهيتمي، الرئيس المدير العام لمجموعة “لوماتان”، باعتباره أحد الشركاء الأساسيين في هذا الورش الإعلامي المتجدد داخل منظومة “ماروك سوار”. وبالنسبة إلي شخصياً، بدا الأمر وكأنه لحظة تلتقي فيها محطتان بارزتان من مساري المهني؛ الأولى انطلقت من “المحرر” سنة 1973، والثانية امتدت لعقود داخل مؤسسة “ماروك سوار” عبر جريدة “الصحراء المغربية”.

لقد وجدت في هذه الشراكة الاستراتيجية بين “اتحاد بريس” و”لوماتان” أكثر من مجرد تعاون مهني أو تقني، بل وجدت فيها تعبيراً عن قدرة المؤسسات الإعلامية المغربية العريقة على بناء جسور التعاون والتكامل خدمة للصحافة الوطنية. كما أنها تؤكد أن التاريخ المهني للمؤسسات لا يُقاس فقط بما راكمته من أرشيف وذكريات، بل أيضاً بقدرتها على مواصلة التطور ومواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها القطاع.

ومن خلال تجربة امتدت لأكثر من أربعة عقود بين عدد من المنابر الإعلامية المغربية والعربية، أستطيع القول إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الصحافة اليوم لا يتعلق فقط بالتكنولوجيا أو بالمنصات الرقمية، بل بالحفاظ على جوهر المهنة في زمن السرعة والتضليل وتراجع الثقة في كثير من وسائل الإعلام عبر العالم.

لهذا يبدو مشروع “اتحاد بريس” في نظري محاولة جادة للبحث عن التوازن بين الوفاء للذاكرة والانفتاح على المستقبل. فالتجديد الحقيقي لا يكون بالتخلي عن الماضي، وإنما باستثمار رصيده المعنوي والفكري من أجل صناعة مستقبل أكثر قوة وحضوراً.

لقد أصاب إدريس لشكر حين أكد أن الرهان لا يتعلق فقط بتحديث المواقع الإلكترونية أو تغيير الهوية البصرية، بل باستمرار فكرة الصحافة الحرة والمسؤولة والملتزمة. فالمؤسسات الإعلامية الكبرى تعيش بقوة الفكرة قبل قوة التكنولوجيا، وبالمصداقية قبل عدد المتابعين.

واليوم، والمغرب يعيش مرحلة كبرى من الأوراش والإصلاحات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، فإن الحاجة إلى إعلام مهني وجاد أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى؛ إعلام يشرح ويناقش وينتقد بمسؤولية، ويواكب المشاريع الوطنية الكبرى، ويساهم في بناء الثقة وتعزيز النقاش العمومي.

إن إطلاق مجموعة “اتحاد بريس” بحلتها الجديدة لا يمثل نهاية مرحلة، بل بداية فصل جديد من فصول الصحافة الاتحادية التي ظلت حاضرة في مختلف محطات تاريخ المغرب المعاصر. وهو أيضاً رسالة مفادها أن المؤسسات التي تمتلك ذاكرة قوية تستطيع أن تصنع مستقبلاً قوياً، وأن الصحافة الجادة قادرة دائماً على التجدد مهما تغيرت الأزمنة والوسائل.

وبالنسبة إلى إعلامي عايش “المحرر” في سبعينيات القرن الماضي، وواكب جريدة “الميثاق الوطني”، و”رسالة الأمة”، و”العهد” القطرية، ثم انخرط في واحدة من أطول التجارب المهنية داخل “الصحراء المغربية”، فإن رؤية مؤسسات إعلامية عريقة تلتقي اليوم حول مشروع للتحديث والتطوير يمنح أملاً إضافياً في قدرة الصحافة الوطنية على مواصلة أداء رسالتها النبيلة.

تحية تقدير لمجموعة “اتحاد بريس” في انطلاقتها الجديدة، وتحية صادقة لكل الصحافيات والصحافيين الذين ما زالوا يؤمنون بأن الكلمة المسؤولة قادرة دائماً على صناعة الفرق.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*