من إعداد: الدكتور ياسين عزاوي مستشار قانوني سابق لدى الأمانة العامة للحكومة.
مئة يوم من التوقف ليست مجرد رقم يمكن أن يمر في هامش الزمن، ولا مجرد مدة من عمر احتجاج مهني يمكن اختزالها في خلاف حول مشروع قانون.
مئة يوم، في منطق المؤسسات، زمن كافٍ لكي يتحول الاحتجاج من فعلٍ آني إلى واقعة مؤسساتية، ومن وسيلة ضغط إلى سؤال عن المآل، وعن حدود الاحتجاج، وعن العلاقة بين المهنة والتشريع، وبين استقلال الدفاع واستمرارية العدالة، وبين الحق في الاحتجاج والحق في الوصول إلى العدالة.وأنا أكتب هذا الكلام لا أكتبه من داخل المهنة، فأنا لست محاميًا، ولا أتحدث باسم المحامين، ولا أملك حق اختزال معركتهم أو إصدار حكم عليها. أكتب من موقع أستاذ باحث في القانون، ومن موقع متعاطف مع كل من يرى في المهنة رسالة قبل أن يراها مصدرًا للعيش، ومع كل من يعتبر أن استقلال من يمارس وظيفة الدفاع ليس امتيازًا شخصيًا، وإنما إحدى الضمانات التي لا تستقيم بدونها دولة القانون، وأن الدفاع عن الحقوق والحريات لا يمكن أن يكون قويًا إذا كانت المهنة التي تحمله ضعيفة أو خاضعة أو فاقدة لاستقلال قرارها المهني.لكن التعاطف، في تقديري، لا يعني الصمت عن الأسئلة؛ بل ربما يكون التعاطف الحقيقي هو أن نمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة على من نتعاطف معهم كما نطرحها على من نختلف معهم.ماذا بعد مئة يوم؟ذلك هو السؤال الذي أصبح يفرض نفسه اليوم، لا لأن المطالب فقدت مشروعيتها، ولا لأن الاحتجاج فقد معناه، ولكن لأن كل وسيلة احتجاجية، مهما كانت مشروعة في أصلها، تظل في المنطق القانوني والسياسي وسيلةً لتحقيق غاية، والوسيلة لا يمكن أن تتحول إلى غاية قائمة بذاتها.لقد انتقل مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة إلى فضاء الرقابة الدستورية، بعد أن صادق عليه مجلس النواب في قراءة ثانية في يوليوز 2026، وأصبح أمام المحكمة الدستورية ضمن المسطرة الدستورية المقررة.وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.فالمسألة لم تعد مجرد خلاف بين المهنة والمشرع حول نص تشريعي؛ وإنما أصبحت سؤالًا عن قدرة المؤسسات الدستورية على استيعاب الخلاف، وعن قدرة الفاعلين المهنيين والسياسيين على احترام منطق الاختصاص، وعن مآل احتجاج امتد نحو مئة يوم، وعن الكلفة التي دفعها المتقاضي والعدالة والمهنة نفسها.وتعذر الحسم في مرحلة من مراحل المسطرة الدستورية لا ينبغي، في تقديري، أن يُقرأ بمنطق الانتصار والهزيمة، ولا أن يُفسر على أنه حكم مسبق في جوهر المطابقة أو عدم المطابقة للدستور.
فالرقابة الدستورية لها منطقها واختصاصاتها ومساطرها، والحسم الدستوري حين يصدر هو الذي ينبغي أن يكون مرجعًا في المجال الذي اختص به الدستور المحكمة الدستورية بالنظر فيه.وهنا تحديدًا أجد نفسي متعاطفًا مع المحامي أكثر مما قد توحي به هذه الأسئلة؛ لأنني أتصور حجم المفارقة التي يعيشها: من جهة، هو مطالب بأن يدافع عن استقلال مهنته وعن حقوق المتقاضين وعن المحاكمة العادلة؛ ومن جهة أخرى، يجد نفسه في مواجهة سؤال آخر لا يستطيع تجاهله: ماذا يحدث عندما يؤدي توقف هيئة الدفاع، وهي إحدى حلقات العدالة، إلى تعطيل جزء من السير الطبيعي لهذه العدالة؟ هذه ليست إدانة للتوقف، وإنما هي محاولة لفهم مفارقته.
فالمحامي لا يمارس وظيفة عادية؛ إنه يقف في منطقة شديدة الحساسية بين الفرد والدولة، بين المتهم والاتهام، بين المواطن والمؤسسة، وبين الحق المجرد والحق الذي يحتاج إلى من يحوله إلى حجة قانونية قابلة للحماية. ولهذا فإن استقلاله ليس شأنًا مهنيًا محضًا، وإنما له امتداده الحقوقي والدستوري، خصوصًا حين يتعلق الأمر بحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.لكن المفارقة هي أن قوة الدفاع عن العدالة يمكن أن تخلق، في لحظة معينة، سؤالًا عن استمرارية العدالة نفسها.فهل يمكن أن ندافع عن المحاكمة العادلة بتعليق إحدى أدواتها؟ وهل يمكن أن نحمي حق المتقاضي في الدفاع، بينما يظل المتقاضي نفسه ينتظر أمام باب العدالة؟ وهل يمكن أن نطلب من المواطن أن يتفهم مشروعية المعركة المهنية، بينما هو لا يرى في حياته اليومية سوى ملف مؤجل، وموعد ضائع، ومسطرة معلقة، وحق ينتظر؟هذه الأسئلة لا تستهدف المحامين؛ بل تستهدف المفارقة التي تضعهم فيها الأزمة.
ولذلك فإنني لا أعتقد أن العودة إلى العمل، حين تقع، ينبغي أن تُفهم باعتبارها تراجعًا أو هزيمة، كما أن استمرار المطالبة بالحقوق لا ينبغي أن يُفهم باعتباره رغبة في تعطيل العدالة. بين الأمرين توجد مساحة واسعة اسمها: الحوار المؤسساتي.وربما تكون هذه هي اللحظة التي تحتاج فيها المهنة، والمشرع، والحكومة، والبرلمان، والمؤسسات القضائية، إلى إعادة اكتشاف هذه المساحة.
فالقانون ليس حربًا بين نصين، والمؤسسة ليست خصمًا للمؤسسة، والمهنة ليست دولة داخل الدولة، والدولة ليست خصمًا لمهنيي العدالة.كل هذه المكونات، مهما اختلفت وظائفها، تتحرك داخل منظومة واحدة، والغاية النهائية لهذه المنظومة ليست أن ينتصر أحد مكوناتها على الآخر، وإنما أن ينتصر الحق. وهنا تحديدًا يصبح السؤال أوسع من مشروع قانون المحاماة نفسه.
إننا مقبلون على استحقاق تشريعي في 23 شتنبر 2026، وهو موعد حددته الحكومة رسميًا لانتخاب أعضاء مجلس النواب، في لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها رهانات الانتخابات مع انتظارات المجتمع وتحديات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية متعددة.
وفي مثل هذه اللحظة، يصبح استقرار المؤسسات قيمة دستورية وسياسية وأخلاقية لا تقل أهمية عن شرعية المطالب نفسها.فالاستقرار لا يعني الصمت.
والاستقرار لا يعني إلغاء الاحتجاج.والاستقرار لا يعني أن تقبل المهنة بما لا تقبله.الاستقرار يعني أن تمتلك الدولة والمجتمع والمؤسسات القدرة على إدارة الخلاف دون أن يتحول الخلاف إلى أزمة دائمة في بنية الدولة.وهنا أعتقد أن أزمة المحاماة ينبغي أن تُقرأ ضمن سؤال أكبر: كيف نبني دولةً يكون فيها الاختلاف مصدرًا للإصلاح لا سببًا للشلل؟ كيف نجعل التشريع أكثر إنصاتًا إلى أهل المهنة؟كيف نجعل الحوار المؤسساتي أكثر فعالية قبل الوصول إلى القطيعة؟كيف نجعل الرقابة الدستورية ملاذًا قانونيًا للحسم، لا محطةً جديدة في مسار صراع سياسي أو مهني؟ وكيف نضمن، في الوقت نفسه، أن لا يتحول احترام استقلال المهنة إلى إعفاء من المسؤولية الاجتماعية التي تحملها هذه المهنة تجاه المتقاضين والعدالة؟ثم هناك سؤال آخر يتعلق بالسياسة نفسها.
هل ما نعيشه اليوم من صراعات حول القوانين والسياسات العمومية هو دليل على حيوية المؤسسات، أم على تراجع قدرتها على إنتاج التسويات؟وأين توجد الأحزاب السياسية في كل هذا؟أين هي قدرتها على إنتاج الأفكار والبدائل والتصورات؟أين هو دورها في الوساطة بين المجتمع والمؤسسات؟فالأحزاب ليست فقط أدوات انتخابية، وليست مهمتها أن تستيقظ مع اقتراب موعد الانتخابات ثم تختفي بعد إعلان النتائج.
إن السياسة الحقيقية هي القدرة على تحويل الصراع الاجتماعي إلى أفكار، والخلافات المهنية إلى حلول، والاحتجاجات إلى إصلاحات، والمطالب إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.أما الحكومة، فإن الحديث الدستوري الدقيق يقتضي التمييز بين السياسة العامة للدولة وبين السياسات العمومية والسياسات القطاعية.
فالفصل 92 من الدستور ينص على أن مجلس الحكومة يتداول في السياسة العامة للدولة قبل عرضها على المجلس الوزاري، كما يتداول في السياسات العمومية والسياسات القطاعية وغيرها من القضايا المحددة دستوريًا.وهذا التمييز ليس لغويًا.إنه يعكس هندسة دستورية دقيقة لتوزيع الاختصاصات والمسؤوليات.
ومن هنا، فإن تقييم الحكومة يجب ألا يتحول إلى سؤال شخصي عن حكومة بعينها فقط، بل إلى سؤال عن قدرتها على تحويل الاختيارات العامة للدولة إلى سياسات عمومية فعالة، وعن قدرتها على إنتاج حلول، وعن قدرتها على الإصغاء إلى الفاعلين، وعن قدرتها على إدارة الأزمات قبل أن تتحول إلى أزمات مؤسساتية.وفي المقابل، فإن الإنصاف يقتضي ألا ننسب كل ما تحقق في المغرب إلى حكومة واحدة، كما لا يصح أن ننسب كل إخفاق إليها وحدها. فالدول لا تُبنى في ولاية انتخابية واحدة، والإصلاحات الكبرى لا تولد عادةً في يوم انتخابي، وإنما تتراكم عبر حكومات ومؤسسات وأجيال، ضمن اختيارات استراتيجية للدولة ومسارات متصلة من الإصلاح والتنمية.
وهذا التراكم هو الذي يجعل السياسة الحقيقية أكبر من الأشخاص وأطول عمرًا من الحكومات.لكن السياسة، في الوقت نفسه، لا يمكن أن تتحول إلى مجرد تنفيذ آلي لما سبق؛ فكل حكومة مطالبة بأن تضيف، وأن تبدع، وأن تقدم حلولًا جديدة للمشكلات الجديدة، وأن تتحمل مسؤوليتها السياسية عن نتائج السياسات العمومية التي تتبناها.
ومن هنا فإن أزمة المحاماة ليست معزولة عن سؤال أكبر يهمنا جميعًا: هل ما زالت المؤسسات السياسية قادرة على إنتاج الأفكار والتسويات والبدائل، أم أننا أصبحنا ننتظر حتى تتراكم الأزمات لكي تبدأ لغة الحوار؟ربما لهذا السبب أجد أن مئة يوم من التوقف يجب ألا تُقرأ فقط باعتبارها مدة احتجاجية، وإنما باعتبارها مرآةً عكست شيئًا أعمق من الخلاف حول مشروع قانون. عكست أزمة ثقة. عكست صعوبة الحوار. عكست حساسية العلاقة بين المهنة والمشرع. عكست هشاشة التوازن بين حق الاحتجاج وحق المتقاضي.
وعكست أيضًا حاجة الدولة إلى أن تطور آلياتها في صناعة التشريع والاستماع إلى أهل الاختصاص قبل أن يتحول الاختلاف إلى مواجهة.وفي النهاية، لا أعتقد أن المطلوب هو أن يخرج المحامون منتصرين على الحكومة، أو أن تخرج الحكومة منتصرة على المحامين.
لا أعتقد أن انتصار البرلمان على المهنة انتصار، ولا أن انتصار المهنة على البرلمان انتصار. الانتصار الحقيقي هو أن تخرج العدالة أقوى.أن يخرج التشريع أكثر اتزانًا.أن تخرج المهنة أكثر استقلالًا ومسؤولية. أن تخرج المؤسسات أكثر ثقةً في بعضها البعض.
وأن يخرج المواطن وهو يشعر أن حقوقه لم تكن مجرد ورقة في معركة بين الكبار.فأنا، من موقعي كباحث في القانون، لا أتمنى أن تكون هذه المئة يوم مجرد فصل ينتهي بعودة المحامين إلى مكاتبهم وانتهاء العطلة القضائية واستئناف الجلسات، ثم نتصرف جميعًا وكأن شيئًا لم يحدث.
أتمنى العكس تمامًا.أتمنى أن تكون هذه المئة يوم قد كشفت لنا أن هناك أسئلة ينبغي أن تُجاب، وأن هناك أعطابًا ينبغي أن تُعالج، وأن هناك مسافة ينبغي أن تُردم بين المهنة والمشرع، وبين المؤسسات والمهنيين، وبين النص وروح العدالة. لأن التشريع يستطيع أن ينظم المهنة، لكنه لا يستطيع أن يصنع ضميرها.
والمؤسسة تستطيع أن تضع القواعد، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع الثقة.والاحتجاج يستطيع أن يلفت الانتباه، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الإصلاح.
والقوة الحقيقية ليست في أن نُعطّل بعضنا البعض، وإنما في أن نمتلك جميعًا من الحكمة ما يكفي لتحويل لحظة الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة.
لذلك، بعد مئة يوم، لا أسأل المحامين: هل انتصرتم؟ولا أسأل الحكومة: هل صمدتم؟ولا أسأل المشرع: هل مررتم القانون؟
أسأل الجميع سؤالًا واحدًا: ماذا فعلنا كي تكون العدالة المغربية، بعد هذه الأزمة، أكثر استقلالًا، وأكثر نجاعة، وأكثر احترامًا للحقوق والحريات، وأكثر قدرة على حماية الإنسان؟ فالأوطان لا تنهار لأنها تختلف. تنهار حين تفقد القدرة على إدارة اختلافها.
والدول لا تقوى لأنها لا تعرف الاحتجاج.تقوى حين تستطيع أن تستمع إليه، وتفهم أسبابه، وتُصحح ما يحتاج إلى تصحيح، وتحمي في الوقت نفسه انتظام مؤسساتها.
ولعل الحكمة التي ينبغي أن تبقى بعد كل هذا ليست: من ربح المئة يوم؟ بل: هل تعلمنا منها كيف نختلف دون أن نُعطّل العدالة، وكيف نحتج دون أن نفقد البوصلة، وكيف نُشرّع دون أن نُقصي أهل المهنة، وكيف نحمي استقلال المؤسسات دون أن نجعلها جزرًا متخاصمة؟تلك، في تقديري، هي القضية الأعمق.
وذلك هو الرهان الحقيقي.
ليس أن تنتصر مهنة على مؤسسة، ولا مؤسسة على مهنة؛ وإنما أن تنتصر دولة القانون على منطق الصراع.

قم بكتابة اول تعليق