في مسيرة الأمم كما في مسيرة المؤسسات، تبرز أسماء صنعت أثرها بعيداً عن الأضواء، واختارت أن تجعل من العمل الجاد والالتزام المهني عنواناً لحياتها. ومن بين هذه الأسماء التي بصمت المشهد الإعلامي والثقافي المغربي لعقود طويلة، يبرز اسم الأستاذ محمد عبد الرحمن برادة، أحد رواد الصحافة والنشر والتوزيع بالمغرب، ورجل من جيل آمن بأن بناء المؤسسات أكثر أهمية من صناعة الأسماء.
ويأتي هذا التكريم الذي تخصصه له مؤسسة الشهيد محمد الزرقطوني للثقافة والأبحاث، يوم الخميس 25 يونيو 2026 على الساعة الرابعة زوالاً، بقاعة المحاضرات التابعة لـمؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، الكائنة بزقاق المرجان، عين الذئاب، الدار البيضاء، اعترافاً بمسار استثنائي امتد لعقود من العطاء، ساهم خلالها المحتفى به في خدمة الإعلام والثقافة والنشر، وفي مواكبة التحولات الكبرى التي عرفها المغرب على مختلف المستويات.
لقد ارتبط اسم محمد عبد الرحمن برادة ارتباطاً وثيقاً بتطور قطاع النشر والتوزيع بالمغرب، من خلال مساره على رأس مؤسسة “سابريس”، التي تولى إدارتها العامة وقادها لسنوات طويلة، مساهماً في ترسيخ مكانتها كواحدة من أهم مؤسسات التوزيع والنشر بالمملكة المغربية. فمن موقعه كمدير عام لـ”سابريس”، لم يكن مجرد مسؤول إداري، بل كان صاحب رؤية مهنية ساهمت في تحديث آليات التوزيع وتوسيع نطاق انتشار الصحافة الوطنية، في مرحلة كانت فيها الصحافة الورقية تشكل أحد أهم روافد المعرفة والتنوير وتشكيل الرأي العام. وقد جعل من المؤسسة نموذجاً ناجحاً في التدبير والنجاعة والاستشراف، ورسخ من خلالها حضوره كأحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الإعلام والنشر بالمغرب.
ولم يكن نجاحه وليد الصدفة، بل ثمرة مسار طويل من الاجتهاد والمثابرة والانفتاح على التجارب الدولية، وهو ما مكنه من أن يحتل مكانة مرموقة داخل الأوساط الإعلامية والثقافية الوطنية والعربية، وأن يصبح مرجعاً في قضايا النشر والتوزيع وتدبير المؤسسات الإعلامية.
وإذا كان كثير من الرجال الذين يحققون مسارات مهنية وازنة يفضلون الاقتراب من الأضواء، فإن محمد عبد الرحمن برادة ظل استثناءً في هذا الباب. فعلى امتداد سنوات طويلة، عُرف عنه ابتعاده عن الظهور الإعلامي المتكرر وتفضيله الاشتغال في هدوء بعيداً عن منطق الاستعراض الشخصي، مؤمناً بأن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، وأن المؤسسات التي تُبنى بإخلاص تبقى أبلغ من أي حضور عابر. ولذلك ظل اسمه يحظى باحترام واسع داخل الأوساط المهنية والثقافية، رغم حرصه الدائم على أن تتحدث أعماله ومنجزاته عنه أكثر مما يتحدث هو عن نفسه.
وإلى جانب مساهماته المهنية، ظل محمد عبد الرحمن برادة حاضراً في عدد من المبادرات الفكرية والثقافية الهادفة إلى ترسيخ قيم المعرفة والحوار والانفتاح، إيماناً منه بأن الإعلام ليس مجرد مهنة، بل مسؤولية مجتمعية ورسالة حضارية تسهم في بناء الوعي الجماعي وتعزيز ثقافة المواطنة.
ولعل من أبرز المحطات التي تعكس حجم التقدير الذي حظي به الرجل، تشرفه بتقديم إحدى أعماله التوثيقية المتعلقة بالجهوية بالمغرب إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في لحظة تجسد مكانة العمل الفكري والتوثيقي الجاد ضمن الأوراش الوطنية الكبرى التي يشهدها المغرب. وهي محطة تكتسي دلالة رمزية خاصة، باعتبارها تعبيراً عن قيمة الإسهام المعرفي في مواكبة التحولات المؤسساتية والتنموية التي تعرفها المملكة.
كما شكلت مؤلفاته وإسهاماته الفكرية والإعلامية إضافة نوعية إلى المكتبة الوطنية، إذ حرص من خلالها على توثيق محطات مهمة من تاريخ الإعلام والثقافة والحياة العامة، واضعاً خبرته الطويلة رهن إشارة الباحثين والمهتمين والأجيال الصاعدة.
إن تكريم محمد عبد الرحمن برادة اليوم ليس احتفاءً بشخص فحسب، بل هو اعتراف بمسار رجل جمع بين المهنية العالية وروح المسؤولية المؤسساتية، وهو ما يجعل بعض قراء هذا المسار يرون فيه نموذجاً يتجاوز حدود التدبير الإعلامي إلى ما يشبه “رجل دولة” في المعنى الهادئ للكلمة، أي ذلك الفاعل الذي يشتغل بعقل مؤسساتي ويؤثر في السياسات العامة المرتبطة بمجاله دون الحاجة إلى مواقع رسمية.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتغير فيه أدوات إنتاج الخبر ونشره، تظل تجربة محمد عبد الرحمن برادة شاهداً على أن قيمة الإعلام لا تقاس فقط بوسائله وتقنياته، بل أيضاً برجاله الذين حملوا رسالته بصدق، وجعلوا من المهنية والالتزام والأخلاق ركيزة لمسارهم.
إنها مسيرة تستحق التقدير، وذاكرة مهنية جديرة بالاحتفاء، ورجل من طينة الذين يتركون بصمتهم في المؤسسات وفي الذاكرة الوطنية معاً، بصمت ووقار، وبإسهام يتجاوز لحظة التكريم إلى أثر ممتد في الزمن.
قم بكتابة اول تعليق