متابعة: مصطفى عياش
إعلامي وصحافي، اشتغل ضمن الطاقم الإعلامي لجريدة “رسالة الأمة”، لسان حال حزب الاتحاد الدستوري، منذ أعدادها الأولى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وعايش عن قرب مرحلة تأسيس الحزب وصعوده السياسي بقيادة الراحل المعطي بوعبيد، مواكباً مختلف المحطات التي صنعت مساره من حزب قاد الأغلبية الحكومية إلى تنظيم يسعى اليوم لاستعادة موقعه داخل المشهد السياسي المغربي.
في تاريخ الأحزاب المغربية، هناك تنظيمات ولدت صغيرة ثم كبرت مع الزمن، وهناك أحزاب ولدت كبيرة منذ اللحظة الأولى. ومن بين هذه الأحزاب يبرز الاتحاد الدستوري، الذي دخل الحياة السياسية المغربية سنة 1983 بقيادة الراحل المعطي بوعبيد رحمه الله بواسع رحمته، ليصبح في ظرف وجيز أحد أقوى التنظيمات السياسية في المملكة.
لم يكن تأسيس الاتحاد الدستوري حدثاً عادياً في المشهد الحزبي المغربي، بل جاء في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد، اتسمت بتحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة. وقد استطاع المعطي بوعبيد، رجل الدولة المعروف، أن يمنح للحزب منذ البداية صورة تنظيم سياسي يؤمن بالاستقرار والمؤسسات والتنمية الاقتصادية، وهو ما مكنه من استقطاب عدد مهم من الأطر والكفاءات والمنتخبين.
وبعد أقل من سنة على تأسيسه، حقق الحزب ما يشبه المعجزة السياسية حين تصدر الانتخابات التشريعية لسنة 1984، متحولاً من حزب حديث الولادة إلى القوة السياسية الأولى داخل البرلمان. وكان ذلك الانتصار بداية مرحلة جعلت الاتحاد الدستوري في قلب القرار السياسي المغربي، حيث أصبح أحد أبرز مكونات الأغلبية الحكومية وفاعلاً أساسياً في تدبير الشأن العام.
وخلال تلك الفترة، ارتبط اسم الاتحاد الدستوري بواحدة من أقوى التجارب الحزبية في المغرب، إلى درجة أن كثيراً من المتابعين اعتبروا الحزب رقماً صعباً في المعادلة السياسية الوطنية، خاصة أنه نجح في الجمع بين الحضور المؤسساتي والانتشار المحلي والتنظيمي.
غير أن المشهد السياسي المغربي عرف خلال العقود اللاحقة تحولات عميقة، برزت معها أحزاب جديدة وتغيرت موازين القوى الانتخابية. وبعد رحيل المعطي بوعبيد سنة 1996، دخل الحزب مرحلة جديدة تعاقب خلالها عدد من القادة على تدبير شؤونه التنظيمية والسياسية، محافظاً رغم ذلك على حضوره داخل المؤسسات المنتخبة وعلى وجوده في عدد من المناطق التي ظلت وفية لرمز “الحصان”.
ومع مرور السنوات، ورغم تراجع نتائجه مقارنة بفترة الثمانينيات، لم يختف الاتحاد الدستوري من الساحة السياسية كما كان يتوقع البعض، بل استمر في إعادة ترتيب صفوفه ومحاولة استرجاع جزء من بريقه التاريخي، مستفيداً من رصيده السياسي ومن شبكة من المنتخبين والأطر الذين حافظوا على استمرارية الحزب في مختلف المحطات.
وتبرز في هذا السياق تجربة الأمين العام الحالي محمد جودار، الذي يمثل نموذجاً لقيادي تدرج داخل هياكل الحزب قبل أن يصل إلى أعلى مسؤولية تنظيمية فيه. فقد راكم الرجل تجربة طويلة في العمل المحلي والانتخابي بمدينة الدار البيضاء، خاصة بمنطقة سباتة التي تحولت مع مرور الوقت إلى واحدة من أبرز القلاع الانتخابية للاتحاد الدستوري.
ومن خلال هذا المسار، انتقل جودار من تدبير الشأن المحلي إلى عضوية المكتب السياسي، قبل أن ينتخبه المؤتمر الوطني السادس أميناً عاماً للحزب، حاملاً معه مشروعاً يقوم على إعادة تنشيط التنظيم واستعادة حضوره داخل الخريطة السياسية الوطنية.
ويعتبر عدد من المتتبعين أن قوة الاتحاد الدستوري اليوم لا تكمن فقط في تاريخه السياسي، بل أيضاً في قدرته على استقطاب نخب جديدة وأطر شابة وفعاليات محلية، خصوصاً بمدينة الدار البيضاء، حيث نجح الحزب خلال السنوات الأخيرة في توسيع دائرة المنخرطين والمتعاطفين معه.
وفي سياق الدينامية الجديدة التي يعرفها الحزب داخل الدار البيضاء، برزت خلال سنة 2026 عملية استقطاب عدد من الأطر والفاعلين الاقتصاديين والمنتخبين المحليين، حيث تم الدفع برجل الأعمال محمد شيكر كأحد أبرز الوجوه المرشحة عن دائرة مولاي رشيد، في إطار توجه يروم توسيع القاعدة التنظيمية وتعزيز الحضور داخل الأحياء ذات الثقل الانتخابي.
كما يُراهن الاتحاد الدستوري على إبراهيم النعناعي بدائرة الفداء مرس السلطان، باعتباره فاعلاً مدنياً في مجال التعليم والعمل الجمعوي، راكم تجربة في تسيير مؤسسة تعليمية خاصة، ما يعكس توجه الحزب نحو تجديد نخبته وربط العمل السياسي بقضايا القرب والتنمية المحلية.
ويراهن حزب الاتحاد الدستوري في المرحلة الحالية على توسيع قاعدة استقطابه داخل الدار البيضاء، من خلال الانفتاح على خزان من الشباب السياسيين والمنتخبين المحليين، إلى جانب إعلاميين متمرسين وفاعلين ميدانيين، في إطار مقاربة تروم تجديد النخب وتعزيز الحضور التنظيمي للحزب.
ويأتي هذا التوجه في سياق خاص، بالنظر إلى أن الدار البيضاء تُعتبر الحاضنة التاريخية البارزة للحزب منذ نشأته، فضلاً عن كونها تشكل فضاءً انتخابياً حاسماً في تحديد موازين القوى السياسية.
وتسعى قيادة الحزب إلى توظيف هذا الاستقطاب في أفق الاستحقاقات المقبلة لسنة 2026، سواء على مستوى الانتخابات التشريعية أو انتخابات المقاطعات والجماعات، عبر بناء حضور أكثر فعالية داخل الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، وتحويل هذا الرصيد البشري إلى قوة انتخابية قادرة على تعزيز موقع الحزب داخل الخريطة السياسية.
ويأتي هذا الحضور في سياق أوسع يهدف إلى تعزيز موقع الحزب داخل الدوائر الانتخابية ذات الثقل السكاني والسياسي، عبر المزج بين الخبرة التنظيمية والانفتاح على كفاءات مدنية جديدة.
كما يراهن الحزب على توسيع تجربة سباتة نحو دوائر أخرى ذات أهمية انتخابية كبيرة، وعلى رأسها مولاي رشيد وسيدي عثمان، في إطار رؤية تروم تعزيز الحضور الميداني والتنظيمي داخل العاصمة الاقتصادية.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يطرح عدد من المراقبين سؤالاً أساسياً: هل يعود الاتحاد الدستوري ليخلط أوراق الأحزاب الكبرى؟
فالحزب الذي قاد الأغلبية البرلمانية في ثمانينيات القرن الماضي لا يزال يمتلك رصيداً تاريخياً وتنظيمياً مهماً، كما أن الدينامية التي يشهدها حالياً قد تمنحه فرصة للعودة إلى دائرة التأثير بشكل أقوى مما كان عليه خلال السنوات الأخيرة.
ويبقى الرهان الأكبر أمام الحزب هو تحويل هذا الحضور التنظيمي المتجدد إلى نتائج انتخابية ملموسة، قادرة على إعادة “الحصان” إلى موقع متقدم داخل السباق السياسي المغربي، وربما إلى دائرة الأحزاب الكبرى التي تساهم في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
قم بكتابة اول تعليق