يونس مجاهد: الطبيعة القانونية للمجلس الوطني للصحافة… او مجلس ولد هجيناً

في صيف-خريف عام 2025، وبينما كانت الصحافة المغربية تتخبط في دوامة من التحولات الرقمية والضغوط الاقتصادية، أصدر يونس مجاهد، الرئيس السابق للمجلس الوطني للصحافة، دراسة هادئة في ظاهرها، جارحة في مضمونها. نُشرت في مجلة «فيض للعلوم الاجتماعية»، ولم تكن مجرد تحليل أكاديمي؛ كانت أقرب إلى مرآةٍ رُفعت أمام مؤسسةٍ وُلدت هجينة، وما زالت تبحث عن شكلها.

يبدأ مجاهد من نقطة تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة جوهر الأزمة: الطبيعة القانونية للمجلس. يصفها بـ«الانتقاء التلفيقي غير الموفق». مزجٌ بين نموذجين لا يلتقيان بسهولة: مجالس أخلاقيات الصحافة التي تسهر على نزاهة المنتج الصحفي، وهيئات المهن الحرة التي تدير شؤون المنتسبين إليها.

النتيجة؟ طغيان المهام الإدارية والتقنية—وعلى رأسها منح بطاقة الصحافة—على المهمة النبيلة التي وُجد المجلس من أجلها: حماية الأخلاقيات وصون استقلالية المهنة.

الآلية التي يُشكَّل بها المجلس تكشف هذا الخلل بوضوح. انتخابٌ مباشر لبعض الأعضاء، وانتدابٌ من مؤسسات حكومية وهيئات رسمية لآخرين. صورةٌ بعيدة كل البعد عن التجارب الدولية الراسخة، حيث يقوم التوافق بين المنظمات التمثيلية، ويُشرك الجمهور، وتُستدعى السلطة القضائية، فيُبنى المجلس على شرعية أخلاقية لا على توازنات سياسية.

أما إسناد مهمة منح البطاقة المهنية إلى الهيئة نفسها، فيحوّل اهتمام الصحافيين من التنافس على احترام الأخلاقيات إلى الصراع على «الورقة» التي تفتح أبواب المهنة. وفي هذا، يقول مجاهد، تبدو التجربة المغربية استثناءً نادراً في العالم؛ فالبطاقة عمل إداري بحت، ينبغي أن يُفصل جذرياً عن هيئة «الحكماء» التي تنظر في الشكايات والتجاوزات.

ثم يتوقف عند مبدأ المساواة. في هيئات المحامين والأطباء، صوت واحد لكل منتسب. أما هنا، فالإغفال واضح. والأهم من ذلك كله، تجاوز المرجعية الدستورية. ينص الفصل 27 من دستور 2011 على أن السلطات العمومية ملزمة بتشجيع التنظيم الذاتي المستقل والديمقراطي للصحافة، دون وصاية مسبقة. لكن البنية الحالية تبدو أقرب إلى وصاية مقنّعة منها إلى استقلالية حقيقية.

يخلص مجاهد إلى أن منطق التنافس الانتخابي والصراع على المكاسب قد أزاح الأولويات الكبرى للقطاع. وفي هذا التشخيص يتقاطع مع ما أعلنته اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون الصحافة والنشر في بلاغها المؤرخ بـ16 يوليوز 2025: ضرورة التركيز على تأهيل المقاولات الصحفية، وتنمية الموارد البشرية، وإصلاح منظومة التكوين لمواكبة التحولات الرقمية. ومن داخل اللجنة ذاتها، تتردد معطيات تؤكد أن حسم الطبيعة القانونية للمجلس وإنهاء ظاهرة البنية الهجينة كانا من أبرز المقترحات المرفوعة رسمياً إلى الحكومة.

هكذا، في نهاية المطاف، لا يبدو النقاش حول «الطبيعة القانونية» مجرد جدل فقهي. إنه سؤال عن ماهية الصحافة نفسها: هل هي مهنة حرة تُدار بحكمة أعضائها، أم جهاز إداري يمنح الرخص ويضبط الحدود؟

الدراسة لا تقدم وصفة سحرية، لكنها تذكّر بأن المؤسسات التي تولد هجينة قد تظل تبحث عن روحها طويلاً. وفي بلدٍ يسعى إلى بناء صحافة قادرة على مواكبة زمنها، قد يكون إعادة تعريف هذه الطبيعة الخطوة الأولى—والأكثر إلحاحاً—نحو استعادة المعنى.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*