تبدأ التفاصيل اليومية لطريق طايرت في مدينة وجدة قبل أن تستيقظ المدينة بكثير. في تمام الرابعة صباحاً، بينما لا يزال الضباب الخفيف يلف الأزقة المحيطة بحمام الدرجة، تبدأ جلبة غير مألوفة في كسر الصمت. صرير عجلات حديدية، ودمدمة محركات عربات الـ “تريبورتور” ثلاثية العجلات، وأصوات خشنة لباعة الخضار والفواكه وهم يتقاسمون مساحات الأرصفة الضيقة. هذه الحركة الصباحية الباكرة ليست علامة على نشاط اقتصادي حيوي، بقدر ما هي إيذان بانطلاق فصول معاناة يومية دامت أكثر من خمس سنوات لساكنة هذا الحي المكلوم.
سراب البدائل والنزوح العشوائي
“كل شيء بدأ بعد فترة الحجر الصحي (الكونفينمون)”، يتذكر مصطفى منصوري، رئيس جمعية سكان طايرت، بنبرة تختلط فيها الخيبة بالإصرار. قبل ذلك، كان هؤلاء الباعة ينشطون في سوق عشوائي بـ “بنجلادش”، وهو حي ناضل سكانه طويلاً وببسالة حتى تمكنوا من إخلائه. لكن المفارقة الإدارية تجلت عندما تم تصفية سوق “بنجلادش” دون تأمين بدائل منظمة أو إدماج حقيقي للباعة، ليتدفق مئات الباعة وعرباتهم دفعة واحدة نحو طريق طايرت. تحول هذا الشريان الرئيسي، الذي يربط وجدة بمناطق أخرى ويعتبر الممر الوحيد لطاكسيات سيدي يحيى لإجراء رحلاتهم اليومية، من زقاق حيوي وسكني هادئ إلى سوق عشوائي مفتوح على مدار الساعة.
الحصار الأكاديمي: مدارس تحت وطأة الصخب
لم يكن انتقال السوق مجرد تغيير في جغرافية التجارة غير المهيكلة، بل كان أشبه باحتلال منظم للمجال العام. في قلب هذا الشريان المحاصر تقع ثلاث مؤسسات تعليمية متداخلة: مدرسة لاله أمينة ومدرسة ابن طفيل العموميتان، ومدرسة الإخاء الخصوصية. هذه المدارس، التي يُفترض أن تكون واحات للمعرفة والسكينة، باتت تخوض معركة يومية للبقاء على قيد الحياة الأكاديمية. تصف الأمهات اللواتي يرافقن أطفالهن الصغار في الصباح مسارهن بـ “الجحيم اليومي”؛ يتعين عليهن المناورة بين أكوام الخضر والعربات المجرورة بالدواب، وسط سيل من صخب الباعة الذين يبرحون بسلعهم بأصوات جهورية تلغي أي إمكانية للتركيز أو التلقين داخل الفصول الدراسية.
الهشاشة الأمنية والأثر البيئي
خلف فوضى السلع والبرمجة الصاخبة، يختبئ جانب أكثر قتامة للأزمة. يوضح منصوري بحسرة كيف تحولت جنبات المدارس ومحيط حمام الدرجة إلى نقط تجمع دائمة للمنحرفين والمشردين ومستهلكي المهلوسات. الأدلة هنا ليست بحاجة لتقصٍ عميق؛ فالآلاف من قوارير “الديسيليسيون” (مادة اللصاق) المستعملة والملتصقة بالإسفلت تحكي قصة الإدمان المتفشي علناً تحت أعين الأطفال.
الأزقة المجاورة، التي لجأ إليها السكان لركن سياراتهم بعد أن استحال ركنها في الطريق العام، تحولت إلى مسرح لسرقات متكررة طالت المنازل والسيارات. المشادات اليومية بين الباعة لا تقف عند حدود الملاسنات البذيئة، بل تتطور مراراً إلى صراعات بدنية بالهراوات وإشهار للأسلحة البيضاء والسكاكين، مما يزرع الرعب في قلوب التلاميذ والمارة على حد سواء. ومع مغيب الشمس، لا ينتهي العذاب بل يغير شكله؛ يغادر الباعة تاركين وراءهم أطناناً من النفايات والمتلاشيات والروائح الكريهة، والتي يتم حرقها ليلاً ليتصاعد دخان سام يملأ فضاء المدارس والمنازل.
المتاهة البيروقراطية والأبواب المغلقة
في مواجهة هذا الواقع المرير، لم يقف السكان والتجار مكتوفي الأيدي. بل شرعوا في نسج شبكة معقدة من المراسلات الإدارية والشكايات الرسمية التي تعكس إيماناً بمؤسسات الدولة، لكنها تكشف أيضاً عن مرونة بيروقراطية باردة وصمت مستمر. من شكاية إلى باشا المدينة سُجلت لدى المقاطعة الرابعة تحت رقم 1291 وفي الباشوية تحت الرقم 3046 في أكتوبر 2024، إلى طلب لقاء مع والي جهة الشرق تحت رقم 7891/DHF في أبريل 2026، مروراً بمراسلات لرئيس الجماعة الحضرية لوجدة (الطلب رقم 10916 في أكتوبر 2023)، وصولاً إلى وسيط المملكة، ووزير الداخلية، والمدير العام للأمن الوطني.
كل هذه المراسلات مرصعة بالتواقيع المكلومة لآباء التلاميذ وتجار المنطقة البالغ عددهم حوالي 35 تاجراً في قيسارية الكولالي وقيسارية الخيرية، والذين أصاب الكساد تجاراتهم بعدما عجز زبائنهم عن التوقف أو ركن سياراتهم بسبب الانسداد المروري الدائم.
جنازة محاصرة وحلول ترقيعية
“الحلول الترقيعية هي كل ما نتلقاه”، يقول منصوري، واصفاً كيف تقوم السلطات المحلية ببعض الحملات المؤقتة التي يقودها قائد المقاطعة الرابعة، لكنها حملات تتبخر فعاليتها بمجرد مغادرة سيارات السلطة للحي. ويروي قصة تلخص عمق المأساة الحضرية: “ذات يوم، توفيت سيدة مسنة في الحي. لم نتمكن من إخراج جنازتها وتشييعها بكرامة بسبب انسداد الطريق بالكامل بعربات التريبورتور والباعة. اضطررنا للتوجه إلى الولاية فقط لنرجوهم أن يفتحوا لنا ممرًا لنمشي فيه بجثة الفقيدة بكرامة”.
أزمة الدخول المدرسي الجديد
الأرقام اليوم تدق ناقوس الخطر؛ فقد انخفضت نسبة ارتياد المدارس الثلاث المتضررة لتصل إلى حدود 50% في بعض المستويات التعليمية، كنوع من الهدر المدرسي الاضطراري للأسر التي فضلت حماية سلامة أطفالها الجسدية والنفسية على حساب تحصيلهم العلمي.
ومع حلول الدخول المدرسي الجديد، يقف مجتمع طريق طايرت أمام مفترق طرق حاسم والأمور لا تزال مسدودة. الساكنة ترفض اللجوء إلى خيار الوقفات الاحتجاجية حرصاً على عدم تشويش دراسة الأبناء، لكن صبرهم يوشك على النفاد. مطالبهم واضحة ولا تتطلب معجزات: توفير دورية أمنية ثابتة (سطافيت بيرمانونت) أمام المدارس للحد من الفوضى والإنحراف، وتفعيل الأسواق النموذجية المغلقة بالمدينة لإعادة إدماج الباعة بطريقة تحفظ كرامتهم وقوتهم اليومي. وإلى أن يتحقق ذلك، يبقى طريق طايرت مسرحاً حياً لصراع يومي بين فوضى عشوائية تفرزها الهشاشة، وحق أساسي في السكينة والتعليم تضمنه القوانين وتعرقل تجسيده البيروقراطية.

قم بكتابة اول تعليق