في 27 غشت قدّم إدريس لشكر، لولاية رابعة على رأس الوردة، «عقداً سياسياً» لا شيكاً على بياض: عشرون التزاماً تحت شعار الإنصاف والشغل والكرامة، وأرقامٌ تُقاس، وتعهّدٌ يوقّعه كل مرشح بألا يجمع بين المسؤولية العمومية ومصلحته الاقتصادية.
الاتحاد يدخل 23 شتنبر وهو أقدم أحزاب اليسار في البرلمان وأضيقها هامشاً: أربعة وثلاثون مقعداً سنة 2021، معارضة برلمانية تُجيد الصياغة وتُختبَر في السوق الانتخابي. لم يسقط ولم يقفز. بقي في الخانة التي يُحتاج إليها عند الحساب لا عند الملصق: فريقاً معارضاً منظماً، وذاكرةً نقابية وإدارية، وشبكة محلية غير متساوية.
المعارضة منحته لغة النقد من دون كلفة التدبير. وهي أيضاً أبعدته عن وزارات كان يحوّل عبرها المناضلين إلى مسؤولي مؤسسات.
القانون الانتخابي لم يُصنع ليمنح اليسار موجة. القاسم يحسب على المسجلين، وأكبر البقايا لا تسمح لحزب بأن يكنس دائرة، والسقف العملي لكتلة محلية واحدة يمر عبر اثنتين وتسعين دائرة لا عبر اكتساح المقاعد داخل كل واحدة. من يريد أكثر من أربعة وثلاثين مقعداً يحتاج إما أعياناً جدداً في دوائر كان غائباً عنها، وإما لوائح جهوية تُترجم حضوراً لا مجرد حصة نساء. الخياران مكلفان. أولهما يُغضب المناضلين. ثانيهما فتح، في الدار البيضاء-سطات، أوسع شقاق داخلي هذا الموسم.
الاتحاد ليس توأم الأحرار ولا وصيفاً إدارياً كالبام ولا حارس عتبة كالاستقلال. هو الحزب الذي قاد التناوب، ثم اعتاد المعارضة الناعمة، كما اعتاد أن يُستدعى عند الحاجة إلى رقم يُكمل 198 مقابل حقائب ومناصب تُكافئ المناضلين.
الحلقة السابقة انتهت عند باب الحد. هذه تبدأ من مقر المعاريف: حيث تُكتب العدالة الاجتماعية في كرّاس، وتُوزَّع الدوائر في غرفة مجاورة.
وعليه، ليس السؤال إن كان البرنامج اشتراكياً. السؤال إن كان الحزب الذي يعد بتغيير القواعد قادراً على إقناع الناخب بأن قواعده الداخلية ليست هي السوق نفسه.
حزب الذاكرة اليسارية في سوق الأعيان
تأسس الاتحاد من رحم القوات الشعبية، وحمل في نهاية التسعينيات اسم التناوب ووجه عبد الرحمن اليوسفي. ما بقي من تلك الحقبة أقل من الرمز وأكثر من العادة: نقابة، جريدة، شبكة منتخبين حضريين، وخطاب دولة اجتماعية لم يعد حكراً عليه.
لشكر مدّد بقاءه في المؤتمر الثاني عشر ببوزنيقة في أكتوبر 2025، بعد تعديل يتيح ولاية رابعة «إذا اقتضت المصلحة العليا للحزب». المعارضون الداخليون خسروا المسطرة قبل أن يخسروا القاعة. القيادة اختارت الاستقرار التنظيمي على المغامرة التجديدية. تمديد ولاية لشكر قُدّم على أنه مصلحة عليا في سنة انتخابية.
المعنى العملي: الجهاز الذي سيفاوض ما بعد 23 شتنبر هو الجهاز الذي فاوض ما قبلها.
في سوق التحالفات هذا ليس عيباً بالضرورة. في سوق الثقة قد يكون هو العيب كله.
الحزب دخل 2026 بوجه واحد لا يُنازع، وبجهاز يعرف أن الوجه لا يكفي لملء 92 دائرة.
المعادلة التي سجّلتها هذه السلسلة منذ الحلقة الأولى لم تتغيّر في الوردة: ترشيح الأعيان حيث يُشترى المقعد، وتوظيف المناضلين حيث تُشترى الوفاء بعد التعيين. البرنامج ذو العشرين التزاماً لا ينفي المعادلة. بل يغلّفها.
العقد: عشرون التزاماً وأرقام تُسمّى كي تُحاسب
البرنامج منشور تحت ثلاث كلمات: إنصاف، شغل، كرامة.
لشكر قال إن الوثيقة ليست تجميعاً ظرفياً لمطالب، وإن لا تنمية بلا حريات ولا استثمار بلا أمن قانوني ولا ثقة بلا قضاء مستقل.
خولة لشكر وعلي الغنبوري فصّلا الجانب العددي: تخفيف 10 في المائة من الضغط الجبائي على دخل العمل، وتعبئة 5 في المائة إضافية من الوعاء عبر توسيع القاعدة لا عبر زيادة الثقل على الأجير، وتقييم سنوي علني لكل إعفاء ضريبي: كلفته، والمستفيدون منه، والوظائف التي خلقها.
المنطق المعلن: الدولة لا تشتري نمواً بالإعفاء، تشتري شغلاً بالشرط.
الالتزامات، كما وردت في وثيقة الحزب، تسير على هذا النحو.
- الأول سيادة صناعية منتجة: عقود في الغذاء والدواء والطاقات المتجددة، نقطة ونصف إضافية من النمو سنوياً، ربع مليون منصب صناعي، ورفع الصادرات الصناعية إلى 40 في المائة.
- الثاني ينقل التشغيل من التحفيز إلى الإدماج: لا دعم ولا إعفاء بلا شغل مقابل، بطالة دون 8 في المائة، بطالة الشباب دون 10، بطالة النساء دون 15، ونشاط نسائي فوق 30 في المائة.
- الثالث طبقة متوسطة تقطف ثمار النمو: ربط النمو بالأجور، رفع متوسط الأجور 20 في المائة، تحسين الدخل الصافي للأجراء 15، حصر نفقات الأسرة على الصحة والتعليم في حدود 20 في المائة، ودعم 250 ألف أسرة متوسطة لاقتناء السكن.
- الرابع عدالة مجالية: توجيه الاستثمار العمومي إلى الجهات الأضعف، زيادة الحصة المخصصة لها 50 في المائة، تقليص الفوارق المجالية 30 في المائة، والإبقاء على الاستثمار العمومي في حدود 30 في المائة من الناتج.
- الخامس المقاولة الصغيرة: مواكبة 100 ألف مقاولة ضمن ميثاق الاستثمار، 30 في المائة من الصفقات للصغير جداً والصغير والمتوسط، ومؤسسة تمويل عمومية تتابع وضعها.
- السادس عدالة جبائية بالرقمين أعلاه.
- السابع دولة اجتماعية منتجة: تغطية اجتماعية كاملة، وربط الحماية بالإدماج، وإدخال 20 في المائة من المستفيدين من الدعم إلى سوق الشغل.
- الثامن صحة عمومية لا حظّاً: 4.5 مقدم خدمة لكل ألف نسمة، خفض العبء المباشر على الأسر بأكثر من 20 في المائة، واستكمال المستشفيات الجامعية.
- التاسع جامعة قاطرة لا محطة انتظار: تقليص الاكتظاظ 40 في المائة في الشعب المفتوحة، ميزانية بحث علمي تعادل 2 في المائة من الناتج، إدماج 60 في المائة من الخريجين، وعشرة أقطاب في الذكاء الاصطناعي والطاقات والتكنولوجيا الحيوية.
- العاشر مدرسة تفتح المستقبل: ثلاثون تلميذاً سقفاً للقسم، خفض الهدر إلى النصف، وتعميم التعليم الأولي.
الحزمة الثانية تربط الاستحقاق الكبير بالسيادة اليومية.
- الحادي عشر يجعل 2030 رافعة لا مهرجاناً: نقطة نمو إضافية، نصف مليون منصب مباشر وغير مباشر، وعائد سياحي يزيد على 20 في المائة.
- الثاني عشر يعيد ترتيب المعاشات: رفع الحد الأدنى 25 في المائة، تغطية شاملة للمتقاعدين، تقليص فوارق المعاشات 30 في المائة، وولوج تفضيلي للخدمات الصحية.
- الثالث عشر يكرر التمكين الاقتصادي للنساء — مناصفة في برامج التشغيل الممولة، ومضاعفة المقاولات النسائية — وهو تكرار مقصود لالتزام التشغيل لا سهواً.
- الرابع عشر سيادة مائية وطاقية: تزويد مستدام بالمياه، خفض الضياع في الشبكات 40 في المائة، استكمال التحلية والربط بين الأحواض، 40 في المائة من الكهرباء من المتجدد، وخفض الفاتورة الطاقية الوطنية 20 في المائة.
- الخامس عشر منصة وساطة للشباب: 200 ألف إدماج سنوي في شغل أو مقاولة، 50 ألف مقاولة شبابية في خمس سنوات، إدماج 80 في المائة بعد التكوين المهني، و12 في المائة من الصفقات للشركات الناشئة.
- السادس عشر فلاحة تُخرج الصغير من يد الوسيط: رفع دخل الفلاح الصغير 30 في المائة، 200 ألف منصب قروي، خفض الفقر القروي 30 في المائة، ونقطة ونصف إضافية من مساهمة الفلاحة ذات القيمة في النمو.
- السابع عشر إدارة تشتغل: رقمنة كاملة للمسطرة وخفض آجال الخدمات 70 في المائة.
- الثامن عشر اقتصاد بلا ريع: ربط المسؤولية بالمحاسبة، تحسين مؤشرات الحكامة 20 في المائة، واستهداف المرتبة الخمسين عالمياً في مدركات الفساد.
- التاسع عشر ثقافة بميزانية 1 في المائة من الميزانية العامة، وخمسة آلاف إصدار، وعشرون فضاء قرب.
- العشرون أمازيغية مؤسسات لا شعاراً: تواصل ثنائي في كل الإدارات الترابية، تدريس في كل الابتدائيات، 80 في المائة من الوثائق الأساسية بالأمازيغية، وتعميم اللغة على المحاكم.
المتقاعد والفلاح والمرأة والشباب والماء والطاقة والإدارة الرقمية ومؤشر الفساد والثقافة والأمازيغية الرسمية يملؤون الدفتر حتى الالتزام العشرين.
الجملة الجامعة في تقديم لشكر: لا تنمية بلا حريات، ولا استثمار بلا أمن قانوني، ولا ثقة بلا قضاء مستقل.
وخولة لشكر، من المنصة نفسها، جعلت الإعفاءات الضريبية ريعاً يُراجع علناً كل سنة: الكلفة، والمستفيد، والأثر على الشغل.
هذا أطول برنامج تفصيلي قدّمه الاتحاد منذ سنوات. قوته أنه يُسمّي أرقاماً. ضعفه أنه يُسمّيها من مقاعد المعارضة، وأن تمويل «نقطة ونصف» و«ربع مليون منصب» و«2 في المائة بحثاً علمياً» يفترض دولة قادرة على إعادة ترتيب الريع الذي يعد الحزب بمحاربته.
لشكر يقول إن المصادر حُددت وإن الحزب لا يطلب شيكاً على بياض.
الناخب سيسأل، وهو محق، أي وزارة في حكومة غير اتحادية ستنفّذ عقداً كتبه الاتحاد.
وقد يضاف القوة في الدفتر أنه قابل للقياس، وهذا نادر في المواسم المغربية. الضعف أنه يشبه، في العناوين، ما يقوله الاستقلال عن الريع، والبام عن مغرب السرعتين، ولقجع عن اللحم بـ160 درهماً.
حين تتكلم كل الأحزاب لغة الدولة الاجتماعية، ينهار امتياز اليسار التاريخي. يبقى للوردة أن تثبت أنها تريد تغيير القواعد لا الأشخاص — وهو ما قاله لشكر حرفياً، اي أن العقد يُختبر أولاً في بيت من يوقّعه.
التزكية الجهوية: رواية اللجنة ورواية القيادة
خمس سنوات خارج الحكومة منحت الاتحاد ما يفتقده شركاء الأغلبية: مسافة عن الغلاء. وهي مسافة ناقصة. الحزب لم يبنِ خلال الولاية جبهة اجتماعية واسعة، ولم يستعد المدن التي كانت خزانه، ولم يحوّل معارضة البرلمان إلى موجة. لشكر يتكلم عن إعادة بناء الثقة ونَفَس ديمقراطي جديد. اللغة صحيحة. الآلة أضعف من اللغة.
في يونيو أُعلن عن حسم 80 في المائة من المرشحين، ولائحة من 73 اسماً بين برلماني قديم ووجه جديد. حسن لشكر في سلا الشالة، وبنعتيق في الرباط-المحيط، وأسماء البيضاء من المهدي فاطمي في الجديدة إلى بوشيخي في عين الشق.
الخريطة حضرية أكثر مما هي قروية. هذا يناسب تاريخ الحزب، ويصطدم بقانون يكافئ من ينتشر في 92 دائرة لا من يخطب في المعاريف.
ثم جاء موسم التزكيات الجهوية. الجدل لم يكن ليحتل هذا الحيز لولا أنه آخر حدث داخلي في أسبوع البرنامج، ولولا أنه يلامس جوهر ما تكرّره السلسلة منذ حلقة الأحرار: القطع مع من يريد الغنيمة دون تعب اصطيادها — العبارة التي استعملها لقجع في سياق آخر صارت هنا سؤالاً على الوردة نفسها.
في 20 غشت مثلت مريم جمال الإدريسي، عضو المجلس الوطني، أمام لجنة البت في وكيلة اللائحة الجهوية للنساء بجهة الدار البيضاء-سطات. بعد الجلسة كتبت إلى لشكر: بلغها من مرشحات سبقنها أن طُلب كتابة مبلغ المساهمة، وأن أرقاماً بين 1.4 و1.6 مليون درهم كانت تدور في المحيط. لم تزعم أنها عاينت الوثائق. سألت إن كانت المساهمة نضالية أم شرطاً للتزكية، ومن يصرف المال، وبأي قرار مكتوب أمام المجلس الأعلى للحسابات. قالت لاحقاً إنها كانت مستعدة للمساهمة مادياً ومعنوياً، وإن اعتراضها على جعل الرقم أداة مفاضلة قبل التزكية لا على مبدأ دعم الحملة.
الغاية من اللائحة الجهوية، كتبت، تصحيح اختلال تمثيلية النساء لا خلق حاجز مالي جديد. بنكيران اختصر الملف خارج البيت: «طلبوا 160 مليوناً لتزكية امرأة… وهادشي مكاينش عندنا».
الرقم صار ملك الخصم قبل أن يُغلق التحقيق داخل الوردة.
قيادة الاتحاد لم تنف المساهمة. أعادت تعريفها. الجواب الذي صيغ للرأي العام يسير على هذا النحو، ويجب إثباته كما قيل درءاً لأي لبس.
المرشحة الجهوية ليست جزيرة فوق الدوائر. الجهة مجموع الدوائر المحلية، فهي عملياً مرشحة في كل دائرة من دوائر الجهة، والحملة تُخاض فيها كلها. القانون يسقّف الإنفاق دائرةً دائرة، ويقنّن حتى التواصل الرقمي، ويلزم كل مترشح بملف تدبير مالي تحت رقابة المجلس الأعلى للحسابات.
في التجارب السابقة كان مرشحو الدوائر يتحمّلون الكلفة وحدهم، بينما كانت وكيلة اللائحة الجهوية تستفيد من المجهود مجاناً إلا في بعض الدوائر المركزية.
الاتحاد يقول إنه أغلق الثغرة: من تطلب أصوات الجهة تشارك في كلفة الجهة. الحملة ليست مجانية، والمشرّع نفسه افترض أنها ليست كذلك حين وضع السقف.
المسطرة، في السرد الحزبي، ليست توقيع أمين عام كما في أحزاب أخرى يحتكر فيها الكاتب العام اللائحة الجهوية ويوقع لمن شاء. الاتحاد يجدد آليات الترشيح في كل استحقاق. هذه المرة أُخرج قرار التزكية الجهوية من يد القيادة السياسية ووُضع عند القواعد: الكتابات المحلية والإقليمية، ثم وكلاء اللوائح المحلية أنفسهم لأنهم أعضاء لجان البت، ولأنهم من سيخوضون المعركة معها في الميدان. الجهة ليست معزولة عن الدائرة. من تترشح جهوياً تترشح، عملياً، في دائرة كذا ودائرة كذا… حسب ما جاء على لسان أحمد العاقد.
معايير التقييم أربعة، بهذا الترتيب المعلن لوكلاء اللوائح المحلية:
- أولاً المؤهلات الشخصية والمهنية؛
- ثانياً الإشعاع التنظيمي والمجتمعي؛
- ثالثاً المساهمة الأدبية في التعبئة والتأطير واللقاءات؛
- رابعاً وأخيراً المساهمة المادية — لا «المالية» بمعنى شيك مقابل مقعد، بل لوجستيك الحملة: تنقل، منشور، قميص، قبعة.
القيادة تصرّ على أن المادي آخر العناصر لا أولها، وعلى أن من يقلب الترتيب يصنع المغالطة الكبرى.
المسطرة لم تُبتكر في أسبوع الأزمة. نوقشت منذ مطلع السنة في المكتب السياسي وكتّاب الجهات والأقاليم والمجلس الوطني واللجنة الإدارية. في 20 غشت أُعيد التصديق مع كتّاب الجهات ومع المكتب السياسي ومع وكلاء اللوائح — لأنهم لجنة البت — ثم مع المرشحات. العدد الذي تسوقه القيادة يفوق الثمانين مرشحة جهوية، وقد وافقن، حسب الرواية، قبل بدء المقابلات. اللجان استمعت واحدة واحدة، وعُرضت العروض على العناصر الأربعة، ورُفعت المداولات إلى المكتب السياسي فصادق عليها أعضاؤه وعضواته بالإجماع.
الطعون والشكايات التي وصلت المكتب تُعدّ على أصابع اليد الواحدة. الباقي، في عبارة الحزب، أصوات معزولة تضخّمها صحافة «متخصصة في شعبة الاتحاد». المشكل، في هذا السرد، ليس المسطرة. المشكل أن من لم تُختر تريد أن تكون في اللائحة وإلا «ما يعجبها الحال».
في 22 غشت رتّب المكتب السياسي الآثار: مصادقة إجماعية على أعمال اللجان، وصف الردود بأنها معزولة ومخالفة للأنظمة، قبول استقالة رجاء البقالي الطاهري، إسقاط انتماء الإدريسي مع إبقاء باب القضاء، وتجميد عضوية منال التقال. بعد خمسة أيام قدّم لشكر البرنامج ولم يسمّ الملف. تكلّم عن تغيير القواعد بدل الاكتفاء بمحاسبة الأشخاص، وعن تعهّد يوقّعه المرشح بالفصل بين المسؤولية العمومية والمصلحة الاقتصادية.
الرسالة واحدة في الموضعين: النقد مقبول كعقد مع الناخب، مرفوض كعصيان على اللجنة.
بين الروايتين لا حاجة لاختيار براءة كاملة أو إدانة كاملة.
- إن أُخذ كلام القيادة على محمله، فالاتحاد يصحّح اعوجاجاً قديماً ويُخضع اللائحة الجهوية لما يُخضع له مرشح الدائرة: كلفة، سقف، وثائق، ورقابة.
- وإن أُخذ كلام الإدريسي على محمله، فـ«المساهمة المادية» آخر المعايير على الجدول قد تصير أولها في الغرفة متى كُتب الرقم قبل التزكية، ومتى غاب القرار المكتوب عن جهة الصرف.
- القانون يسقّف الدائرة. لا يمنع أن يتحول السقف إلى تذكرة. فقط، الحزب الذي يعد في الالتزام الثامن عشر بالمرتبة الخمسين في مدركات الفساد وجد نفسه يدافع عن سرية ورقة المساهمة إلى أن سرّبها الخلاف.
هذا ليس برهاناً على البيع. هو برهان على أن الشفافية التي تُطلب من الدولة تُؤجَّل حين تُطلب من اللجنة.
اللائحة الجهوية تريد امرأة قادرة على تمويل حضور في كل دوائر الجهة. الحزب لا يقول إن اللائحة بلا ثمن. يقول إن الثمن كلفة حملة، وإن المعيار المالي رابع أربعة، وإن المعترضين أصابع يد.
موقع الحزب في معادلة الحكومة
الاتحاد يعارض حكومة يُحتمل أن يدخلها بعد أسابيع. برنامجه يُحاسب أغلبيةً قد يحتاج التفاوض معها. لشكر يعرف الحساب: الوردة ليست مرشحة لرئاسة الحكومة. هي مرشحة لأن تكون الرقم الذي يُكمل 198 إن انفرط عقد الأحرار والأصالة والمعاصرة، أو إن تعثّر طريق الاستقلال.
إلا إذا بقيت المعارضة وظيفة إلى غاية ليلة النتائج. بعدها لكل مقام كلام.
خريطة التحالفات، كما استقرت بعد 27 و29 غشت، تضع الوردة حيث وُضعت في الحلقة الثانية:
الممر الأسلس للبام إن أُغلق باب الأحرار وتصعّب باب الاستقلال. المنصوري أغلقت باب الأحرار شخصياً، والجرار يحتاج شرعية يسارية شكلية وكتلة تكميلية. الثمن معلن في منطق الحزب منذ سنوات: وزارات ذات أثر أو رمز، لا مجرد حضور في الصورة.حقائب ذات أثر — الشغل، أو قطاع اجتماعي، أو حضور مؤسسي يُشغّل المناضلين — مقابل 30 إلى 40 مقعداً .
مع الأحرار الخصومة مريحة خطابياً: أخنوش عنوان الغلاء والريع الزراعي في المخيال الاتحادي. التحالف معه بعد 23 شتنبر ممكن رغم الخطاب، إن احتيج إلى المقاعد ودُفعت الحقائب.
مع الاستقلال تقاطع في لغة الأسرة والريع والسيادة، وتنافس محدود في المدن. شراكة ثانوية داخل أغلبية أوسع. مع الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية استكمال لا قيادة.
التحالف الثلاثي أو الرباعي بينهم وارد إن انكسر التوأمان. اتحاد وحركة وتقدم واشتراكية لا يصنعون أغلبية من دون أحد الكبيرين أو كليهما.
ما لن يفعله الاتحاد، إلا في سيناريو انهيار غير مرجح، هو قيادة الحكومة. هذا ليس حكماً أخلاقياً. هو قراءة للقانون وللرقم. الدستور يعطي الرئاسة للحزب الأول. الوردة ليست مرشحة الصدارة. هي مرشحة التكملة. بمعنى أقصى طموح واقعي: أن يكون الشريك الذي لا تكتمل صورة «التنمية العادلة» من دونه، بعد أن فشل الآخرون في احتكار اللغة نفسها.
الصراع الخفي: الولاية الرابعة والمنصب كغاز تنظيمي
تحت العشرين التزاماً ثلاثة نزاعات.
الأول خلافة مؤجلة. تعديل القانون الأساسي حسم القيادة ولم يحسم ما بعدها. التيارات التي خسرها المؤتمر لم تختفِ. موسم التزكيات يعيد فتحها عبر النساء والجهات لا عبر المنصة. الإدريسي والتقال ليسا تفصيلين. وراءهما اشخاص ومجموع نزاع على من يملك حق إدارة الرمز.
الثاني ثمن العودة إلى الحكومة. المناضل الاتحادي لا يعيش على البرنامج. يعيش على أفق التعيين: مؤسسة عمومية، كتابة عامة، إدارة جهوية، منصب في مجلس إدارة. هذا ليس سراً ولا اتهاماً أخلاقياً معزولاً. هو وقود آلة فقدت الإيديولوجيا وبقيت تحتاج الأجور الرمزية. أي تحالف بعد الصندوق سيُقاس بعدد هذه المراكز لا بعدد المواد في البيان الحكومي. لذلك يسهل على البام أو الأحرار التفاوض مع الوردة إن دفعوا الحقائب. ويصعب على الاتحاد أن يبقى في المعارضة إن عُرض عليه الثمن المعتاد.
الثالث العلاقة بالنقابة وبالمدن. الاتحاد الذي كان يخاطب الطبقة العاملة يخاطب اليوم طبقة متوسطة متآكلة وشباباً يهاجر. التزام الشباب و50 ألف مقاولة و80 في المائة إدماج بعد التكوين فقرات صحيحة.
الصندوق الحضري قد يذهب إلى العدالة والتنمية إن عادت كعنوان غضب، أو إلى الامتناع.
الوردة ليست عنوان الاحتجاج. هي عنوان التسوية اليسارية داخل النظام.
الحساب الانتخابي: الحفاظ على الـ34، لا استعادة التناوب
قانون الدوائر لا يرحم الأحزاب ذات الانتشار الحضري المحدود. الاتحاد ينتصر في دوائر مدينية متفرقة، ويختفي في سواد البوادي حيث يقرر الأعيان لصالح الحمام أو الجرار أو الميزان أو الحركة. طريق الصعود يمر بانتزاع مقعد أول في دوائر ضائعة منذ 2016 و2021، لا بخطاب المعاريف.
نقاط القوة: مسافة المعارضة عن الغلاء، دفتر التزامات هو الأكثر تفصيلاً رقمياً حتى الآن، شبكة حضرية لم تنقرض، واستعداد التوأمين المتخاصمين لدفع ثمن شرعية يسارية.
نقاط الضعف: قيادة أنهكتها المشاكل التنظيمية، غياب رمز شعبي يضاهي لقجع أو حتى بركة، وفقر الآلة القروية.
العزوف يضرّه أكثر مما يضرّ أحزاب الأعيان. المشاركة العقابية قد لا تصب فيه تلقائياً. قسم منها إلى العدالة والتنمية، وقسم إلى الفراغ.
استشراف المقاعد
في 2021: 34 مقعداً. السقف العملي لحزب في موقعه لا يتجاوز، في التقدير الجاد، منتصف الخمسينيات. القفزة فوق ذلك تحتاج موجة مدينية لا يملك الحزب أدواتها.
السيناريو الأدنى: 22 إلى 28 مقعداً.
إن التصق جدل التزكيات بالوردة في البيضاء ومحيطها، وتقدّم البام والأحرار في دوائر كان يراهن عليها، وبقيت المعارضة بلا عائد، ينزل الحزب إلى حجم التقدم والاشتراكية الموسّع، ويضعف سعره ليلة الأغلبية.
السيناريو الوسط، وهو الأرجح اليوم: 30 إلى 42 مقعداً.
ثبات في جزء من الرباط-سلا والقنيطرة والبيضاء والجديدة، وخسارة أو ربح طفيف في بقية الجهات. الرقم يدور حول 2021. في هذا النطاق يبقى الاتحاد الكتلة اليسارية الأكبر القابلة للتحالف، لا أكثر.
السيناريو الأعلى: 43 إلى 55 مقعداً.
يشترط أن يتحوّل الغضب من الغلاء إلى تصويت واعٍ للوردة لا إلى امتناع أو إلى العدالة والتنمية، وأن تصمد اللوائح في البيضاء رغم الجدل، وأن يفشل التوأمان في كنس الضواحي. حتى هنا يبقى بعيداً عن رئاسة الحكومة، ويقترب من أن يفرض حقيبتين وازنتين بدل حقيبة رمزية.
ما لا ينبغي انتظاره: عودة إلى أرقام ما قبل 2011، أو اندثار. الاتحاد حزب عتبة يسارية، لا حزب موجة ولا حزب وظيفة إدارية أولى.
الصورة العامة
الاتحاد الاشتراكي يدخل 23 شتنبر حاملاً أكثر البرامج تفصيلاً وأقدم العادات الانتخابية. عشرون التزاماً تقول إن الشغل أولاً، وإن الريع يُراجع، وإن الأمازيغية تُعمَّم، وإن المونديال رافعة لا مهرجاناً. الدار البيضاء-سطات تقول إن للائحة ثمناً. الحزب يسمّي الثمن كلفة حملة ومعياراً رابعاً. الناخب لن يوفّق بالضرورة بين النصين. سيختار أحدهما أو يُعرض عن الاثنين.
قوته أنه الكتلة اليسارية الوحيدة التي ما تزال قابلة للاستعمال في تركيب حكومي.
ضعفه أن الاستعمال صار هو المشروع.
إن صمد عند حدود الـ34 أو صعد قليلاً، عاد إلى مائدة الحقائب. وإن هبط، بقي رمزاً يُستحضر في ذكرى اليوسفي ويُتجاوز ليلة النتائج.
الوردة لا تحتاج أن تسبق الحمام أو الجرار. تحتاج ألا تذبل قبل أن يُطلب لونها لتزيين الأغلبية.
تحياتي – عبدالعالي الجابري
الحلقة المقبلة تترك حزب التكملة اليسارية إلى حزب كان ذات يوم حزب الأغلبية الأخلاقية، ثم صار حزب الأقلية التي تتغذى على الغضب: العدالة والتنمية، بعد 13 مقعداً في 2021، وبين إعادة بناء بنكيرانه ومعادلة العزوف.
ندعوكم إلى قراءتها، وإلى كتابة ما ترونه في التعليقات: تصويباً لرقم، أو شهادة من دائرة، أو سؤالاً عن ثمن التزكية لا ينبغي أن تسقطه الحلقة التالية.
منشور بنفس السلسلة:
خريطة ما بعد الصندوق… الحلقة 1: أحزاب على مسافة أسبوع
خريطة ما بعد الصندوق… الحلقة 2: التجمع الوطني للأحرار: الصدارة عبءٌ بعد أن كانت غنيمة
خريطة ما بعد الصندوق… الحلقة 3: الأصالة والمعاصرة: الزخم حين يكفّ عن انتظار دوره
خريطة ما بعد الصندوق… الحلقة 4 : حزب الاستقلال: من يملك ليلة النتائج لا يحتاج أن يصرخ قبلها
خريطة ما بعد الصندوق… الحلقة 5: الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: الوردة بين عقد الناخب وثمن الجهة ومكافأة المناضل

قم بكتابة اول تعليق