حين تبدأ الأحزاب في محاكمة بعضها انتخابياً: هل تغيّر الانتخابات المقبلة موازين القوة أم تعيد إنتاجها ؟.

إعداد: ياسين عزاوي مستشار قانوني سابق بالأمانة العامة للحكومة.

في السياسة، ليست المفارقة أن تختلف الأحزاب، فاختلافها هو جوهر التنافس الديمقراطي. وليست المفارقة أيضاً أن يحاسب حزبٌ حزباً آخر على حصيلة التدبير الحكومي.

المفارقة تبدأ عندما تتحول المسؤولية السياسية، مع اقتراب موعد الانتخابات، إلى لعبة لتبادل الاتهامات، فيصبح ما كان بالأمس قراراً حكومياً جماعياً، اليوم مسؤولية حزب بعينه، ويصبح ما كان بالأمس نجاحاً جماعياً، اليوم إنجازاً حزبياً خالصاً.وهنا تحديداً تبدو بعض النقاشات الدائرة اليوم حول القطيع الوطني، وارتفاع أسعار اللحوم، وكلفة الأعلاف والمحروقات، وغيرها من مظاهر الضغط على القدرة الشرائية، كأنها تعكس أكثر من مجرد خلاف سياسي عابر؛ إنها تعكس بداية انتقال الخطاب من منطق تدبير الحكومة إلى منطق تدبير الانتخابات.فحين كان السؤال مطروحاً باعتباره سؤالاً حكومياً ومؤسساتياً، كانت المسؤولية موزعة على الحكومة باعتبارها حكومة، وعلى القطاعات المعنية باعتبارها قطاعات حكومية، وعلى الأغلبية باعتبارها أغلبية برلمانية.

بل إن مجلس النواب ناقش فعلاً وضعية القطيع وبرامج دعم مربي الماشية وإعادة تكوين القطيع، بحضور الوزير الوصي، وفي إطار نقاش لم يكن محصوراً في حزب واحد.أما اليوم، ومع اقتراب الاستحقاق التشريعي، فقد بدأت المسؤولية نفسها تأخذ شكلاً آخر في الخطاب السياسي: كل حزب يريد أن يحتفظ بالإنجاز لنفسه، وأن ينقل الإخفاق إلى غيره.وهذه ليست فقط مسألة أخلاقية في الخطاب السياسي، وإنما مسألة تتصل بجوهر المسؤولية الحكومية.

فالوزير لا يصبح مسؤولاً عن قطاعه فقط عندما تكون النتائج إيجابية، ثم يتحول، عندما تكون النتائج سلبية، إلى مجرد عضو في حكومة لا علاقة له بالمسؤولية السياسية العامة. والوزير المكلف بقطاع معين لا يستطيع، من الناحية السياسية، أن يتعامل مع القطاع بمنطق الملكية الحزبية عندما تكون الحصيلة جيدة، ثم بمنطق التنصل الحزبي عندما تصبح الحصيلة موضوع مساءلة شعبية.المسؤولية الحكومية لا تتجزأ بحسب اتجاه الريح الانتخابية.

ومن هنا، فإن تحويل أزمة القطيع أو غلاء اللحوم أو المحروقات إلى ورقة لتصفية الحسابات بين الأحزاب لا يقدم للمواطن جواباً عن السؤال الحقيقي: ماذا وقع؟ ومن قرر؟ ومن نفذ؟ ومن راقب؟ ومن كان بإمكانه أن يتدخل ولم يفعل؟ وهنا تظهر مفارقة أكثر عمقاً.

فإذا كان حزب ما يعتبر اليوم أن قطاعاً معيناً هو أصل الأزمة، وكان بالأمس جزءاً من الأغلبية الحكومية التي كانت مطالبة بالتعامل مع هذه الأزمة، فإن السؤال المنطقي ليس: من هو الحزب الذي نحمّله المسؤولية؟ وإنما: أين كانت المسؤولية السياسية الجماعية عندما كان الوقت مناسباً للتدخل؟ وإذا كان هناك من يرى أن لجنة لتقصي الحقائق كانت ستكشف جوانب من الحقيقة، فإن رفض مثل هذه الآلية في وقتها ثم العودة، عشية الانتخابات، إلى توزيع المسؤوليات والاتهامات، يطرح سؤالاً أكبر من مجرد الموقف من اللجنة: هل كانت الحقيقة مطلوبة فعلاً، أم أن توقيتها هو الذي كان غير مرغوب فيه؟ لأن الديمقراطية لا تعمل بمنطق: نؤجل الحقيقة إلى أن تصبح مفيدة انتخابياً.

من الحكومة إلى الحملة الانتخابيةالمشهد الحالي يجب ألا يُقرأ فقط من خلال ما تقوله الأحزاب اليوم، وإنما من خلال ما يمكن أن تفعله هذه الأحزاب غداً.فالانتخابات التشريعية المقبلة ليست انتخابات عادية بالنسبة لحزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.في انتخابات 2021، تصدر التجمع الوطني للأحرار النتائج بـ102 مقعداً، وحل الأصالة والمعاصرة ثانياً بـ86 مقعداً.

لكن الأهم من ذلك أن القوة الانتخابية لا توجد فقط داخل مجلس النواب.في الانتخابات الجماعية والجهوية لسنة 2021، حصل التجمع الوطني للأحرار على 9,995 مقعداً في مجالس الجماعات والمقاطعات، مقابل 6,210 مقاعد للأصالة والمعاصرة، كما حصل الأحرار على 196 مقعداً في مجالس الجهات مقابل 143 للبام.وهذه الأرقام ليست مجرد أرشيف انتخابي.

إنها تعني أن الحزبين دخلا المرحلة الانتخابية الحالية وهما يمتلكان، إلى حدود نهاية الولاية الجماعية الحالية، رصيداً بشرياً وتنظيمياً وانتخابياً كبيراً داخل المجال المحلي.وهنا يصبح السؤال الحقيقي مختلفاً:هل تستطيع موجة السخط السياسي أن تهزم البنية الانتخابية؟قد يستطيع المواطن أن يكون غاضباً من الأسعار، وأن يكون غير راضٍ عن الحكومة، وأن ينتقد الأحزاب، وأن يقول إنه لن يصوت.لكن السياسة الانتخابية لا تُقاس فقط بحجم الغاضبين؛ بل أيضاً بحجم الذين سيذهبون إلى صناديق الاقتراع.

وهذه هي إحدى أكبر مفارقات الديمقراطية المعاصرة: قد يكون هناك مجتمع واسع غير راضٍ، لكن إذا كان هذا المجتمع لا يحول عدم رضاه إلى مشاركة سياسية، فإن الغضب يبقى موقفاً نفسياً، بينما تتحول التنظيمات الحزبية إلى قوة انتخابية فعلية.عزوف الشباب: الخصم الصامت ربما تكون أخطر ظاهرة في الانتخابات المقبلة ليست انتقال هذا المنتخب من حزب إلى آخر، ولا انتقال ذلك المرشح من لون سياسي إلى لون آخر.الأخطر هو أن يقرر جزء من الشباب ألا ينتقل أصلاً إلى صندوق الاقتراع. فالفراغ الذي يتركه العازفون لا يبقى فراغاً.

في السياسة، عندما ينسحب الناخب المنظم أو الشاب غير المهتم من عملية التصويت، لا تختفي الانتخابات؛ وإنما تزداد القيمة النسبية لمن يملك شبكة انتخابية جاهزة، ولمن يعرف كيف يحشد ناخبيه، ولمن يمتلك حضوراً محلياً ومنتخبين وقواعد انتخابية. وهنا بالذات يمكن فهم أهمية الرصيد الجماعي الذي راكمه الحزبان منذ انتخابات 2021.ليس المقصود القول إن هذه الشبكات قادرة حتماً على صناعة نتيجة الانتخابات التشريعية المقبلة؛ فهذا سيكون تبسيطاً غير علمي.

لكن من السذاجة السياسية أيضاً تجاهل أن امتلاك آلاف المنتخبين المحليين وشبكات تنظيمية ممتدة عبر الجماعات والجهات يشكل رأسمالاً انتخابياً لا يبدأ بناؤه قبل الحملة الانتخابية بأسبوعين.إنه رأسمال يتراكم عبر السنوات.لكن الترحال السياسي يعيد طرح سؤال القناعةوهنا نصل إلى المفارقة الثالثة: الترحال السياسي.

فإذا كان السياسي يغادر حزباً لأنه اكتشف فجأة أن قناعاته لم تعد تتطابق مع قناعاته، ثم يلتحق بحزب آخر يحمل قناعات تكاد تكون، في بعض الأحيان، متقاربة جداً مع الحزب الذي غادره، فالسؤال الذي يطرح نفسه ليس فقط: لماذا غادر؟ بل:هل كانت القناعة هي التي تغيرت، أم أن موقع القناعة هو الذي تغير؟السياسة الديمقراطية تسمح بتغيير المواقف، بل إن تغيير الموقف عندما تفرضه القناعة والمعطيات الجديدة يمكن أن يكون فضيلة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتقال بين الأحزاب أقرب إلى تغيير موقع انتخابي منه إلى مراجعة فكرية وسياسية.

فالحزب الذي يستقبل الوافد الجديد لا يسأله دائماً: ماذا تغير في قناعاتك؟والحزب الذي يفقده لا يسأل دائماً: ماذا أخطأنا حتى فقدنا قناعته؟ وغالباً ما يتحول الأمر إلى سؤال أكثر براغماتية: كم من الأصوات تستطيع أن تأتي بها؟وهنا يتحول السياسي من حامل لمشروع إلى حامل لرصيد انتخابي.

هل تعيد انتخابات 2026 إنتاج انتخابات 2021؟ هذا هو السؤال الذي يستحق أن يشغل الباحثين في السياسة أكثر من سجالات التصريحات.فليس من الضروري أن يؤدي الغلاء إلى سقوط حزب.وليس من الضروري أن يؤدي النجاح الحكومي إلى ارتفاع أصوات حزب.

وليس من الضروري أيضاً أن تؤدي الفضائح أو الخلافات أو تبادل الاتهامات إلى تغيير جذري في الخريطة السياسية.

فالانتخابات ليست استفتاءً بسيطاً على الحكومة. إنها محصلة معقدة بين الحصيلة الحكومية، وقوة التنظيم الحزبي، والمرشح المحلي، والتحالفات، والخريطة الانتخابية، ونسبة المشاركة، وقدرة الأحزاب على تعبئة ناخبيها، ومزاج الناخبين في كل دائرة.

ولهذا فإن من يعتقد أن الانتخابات المقبلة ستكون مجرد عقاب انتخابي للحكومة قد يكون متسرعاً. كما أن من يعتقد أن امتلاك شبكة انتخابية واسعة يعني ضمان النتيجة قد يكون متسرعاً بالقدر نفسه.

فالصندوق الانتخابي لا يعترف لا بالغرور الحكومي ولا بالخوف المعارض.السياسة عندما تنسى أن المواطن ليس طرفاً في صراع الأحزابالمواطن المغربي لا يحتاج إلى أن يعرف أي حزب انتصر في المناوشة الإعلامية حول القطيع. إنه يريد أن يعرف لماذا ارتفعت الأسعار.لا يريد أن يعرف أي حزب يستطيع أن يلقي المسؤولية على الآخر.

يريد أن يعرف من يتحمل المسؤولية.ولا يريد أن يسمع، بعد كل أزمة، أن القطاع تابع لهذا الحزب أو أن الوزير ينتمي إلى ذلك الحزب.لأن الدولة لا تُدار بمنطق: هذا القطاع لنا وهذا القطاع لكم.الحكومة وحدة سياسية ومسؤولية سياسية.

والأغلبية التي تشكل الحكومة لا يمكن أن تتعامل مع النجاح باعتباره ملكية حزبية، ومع الفشل باعتباره إرثاً تركه الآخرون.وهذه قاعدة لا تخص حزباً بعينه.بل تخص الجميع.

الانتخابات المقبلة لن تحسمها كثرة الأصابع الموجهةكلما اقترب موعد الانتخابات، ستزداد الأصابع التي تشير إلى الآخر.سيقال إن هذا الحزب مسؤول عن أزمة كذا، وإن ذاك الحزب مسؤول عن أزمة كذا. وسيتحول الماضي إلى مادة انتخابية، وستعاد قراءة القرارات القديمة بعين الحاضر.

لكن السؤال الذي سيبقى معلقاً هو: هل استطاعت الأحزاب أن تقنع المواطن بأن الانتخابات المقبلة هي فرصة لتغيير السياسات، أم أنها أقنعته فقط بأن يتفرج على صراع بينها ؟ إذا بقي الشباب بعيداً عن السياسة، وإذا ظل جزء واسع من المواطنين يعتبر أن الأحزاب تتشاجر على المسؤولية عندما تكون الانتخابات قريبة، ثم تتفق على توزيع المواقع عندما تنتهي الانتخابات، فإن الخاسر الحقيقي لن يكون حزباً بعينه.

سيكون الخاسر هو المعنى السياسي للانتخاب نفسه. لذلك، ربما تكون انتخابات 2026 أقل ارتباطاً بسؤال: من سيحتل المرتبة الأولى؟ وأكثر ارتباطاً بسؤال أعمق:هل يستطيع أي حزب أن يحول الغضب الاجتماعي إلى ثقة سياسية؟ فالفوز في الانتخابات شيء، والحصول على ثقة الناخب شيء آخر.

وقد يستطيع حزب أن يربح المقاعد ولا يربح القناعة.وقد يخسر حزب مقاعد كثيرة، لكنه يخرج من الانتخابات وهو أكثر إقناعاً من منافسيه.

وفي نهاية المطاف، لا تكمن قوة الديمقراطية في أن نعرف من فاز فقط، وإنما في أن نعرف لماذا صوّت الناس لمن صوّتوا، ولماذا اختار آخرون ألا يصوتوا أصلاً.

وهنا تحديداً سيكون الاختبار الحقيقي للانتخابات المقبلة:هل نحن أمام تغيير في الخريطة السياسية، أم أمام إعادة توزيع للخريطة نفسها بين الوجوه والأحزاب والتحالفات؟فالانتخابات قد تغيّر المقاعد.

لكنها لا تغيّر بالضرورة السياسة.وتغيير السياسة لا يبدأ من صندوق الاقتراع وحده، بل من قدرة الأحزاب على إقناع المواطن بأن ما تقوله قبل الانتخابات هو نفسه ما ستدافع عنه بعدها.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*