في مراكش، المدينة التي تتنفس التاريخ واللون والحياة، حيث تتداخل رائحة التوابل مع صدى النداءات في الأسواق القديمة، يمكن أن يحدث شيء لا يُصدَّق خلف باب مغلق في عمارة عادية.
في منطقة عين مزوار، اكتشف أحد الجيران ما لم يلاحظه أحد لما يقارب السنتين: جثة رجل متقاعد من السلك العسكري، تفككت بين جدران شقته بهدوء مرعب. 730 يوماً مرت، والرجل الذي أمضى عمره في خدمة الوطن لم يعد موجوداً إلا كأثر يتلاشى.
لم يطرق أحد الباب. لم تتصل ابنته. لم يسأل أحد عن غيابه رغم أنها تعيش على مسافة قريبة جداً.
هذه ليست مجرد حادثة وفاة. هي مرآة قاسية تعكس ما أصبحنا عليه.
الرجل، الذي كان يوماً يرتدي الزي العسكري ويحمل مسؤولية حماية الآخرين، انتهى به المطاف وحيداً في غرفة مغلقة. التقاعد، الذي يُفترض أن يكون مرحلة الراحة والتقدير بعد سنوات من الانضباط والتضحية، تحول إلى عزلة قاتلة. لم يكن الأمر مجرد «عزلة اختيارية» كما قد يُقال بسرعة، بل كان انقطاعاً تدريجياً للروابط، حتى أصبح الغياب الطويل أمراً طبيعياً.
في مجتمع يتسارع فيه كل شيء، وتتكاثر فيه الشاشات والرسائل السريعة، أصبحت الأبواب المغلقة أكثر صلابة من أي وقت مضى. العمارات الحديثة التي كان من المفترض أن تجمع الناس تحولت إلى خلايا منفصلة. الجيران لا يعرفون بعضهم. الأبناء يعيشون قريباً لكنهم بعيدون عاطفياً. والمتقاعدون، خاصة أولئك الذين خدموا الوطن بصمت، يجدون أنفسهم في مواجهة نوع جديد من الوحدة: وحدة لا يراها أحد حتى يصبح الأوان قد فات.
هذه الفاجعة لا تتعلق فقط بمراكش، ولا حتى بالمغرب وحده. إنها تعبير عن ظاهرة عالمية أكثر اتساعاً: تآكل قيم التضامن الأسري والجوار تحت وطأة الفردانية والضغوط اليومية. عندما يصبح الاطمئنان على الآخر «عبئاً» أو «تدخلاً»، وعندما يُفضَّل الصمت على السؤال البسيط «كيف حالك؟»، فإننا نفقد شيئاً أساسياً في إنسانيتنا.
الرجل الذي رقد وحيداً لعامين لم يكن مجرد رقم أو خبر عابر. كان إنساناً خدم وطنه، ثم وجد نفسه في مرحلة من حياته يحتاج فيها إلى أبسط أشكال الاهتمام. أن يمر غيابه دون أن يثير أي تساؤل هو أقسى ما في القصة.
ربما تكون هذه المأساة الصامتة في عين مزوار دعوة هادئة لكنها قوية: أن نعيد النظر في الطريقة التي نعيش بها مع بعضنا. أن نطرق الأبواب أحياناً. أن نسأل عن الجار المتقاعد. أن نمد يداً قبل أن تتحول اليد إلى أثر.
لأن الوحدة، عندما تستمر طويلاً بما يكفي، لا تترك وراءها سوى الصمت.
وصمت كهذا، في مدينة لا تنام، هو الأعلى صوتاً على الإطلاق.
قم بكتابة اول تعليق