
عبدالعالي الجابري – مراكش – 20 يونيو 2026
شهدت مدينة مراكش ندوة فكرية وازنة نظمتها الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، تناولت موضوعًا شائكًا ومحوريًا تحت عنوان “الصحافة المغربية بين المهننة وأخلاقيات العصر الرقمي”، سيرها الصحفي المتميز عبدالصمد بنشريف. وقد شكل هذا اللقاء منصة لتشخيص واقع “مهنة المتاعب” في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة وسطوة الذكاء الاصطناعي، بمشاركة الأستاذ الباحث عبد الوهاب الرامي، الباحث مصطفى غلمان و الأستاذ عبد الغني بردي، الباحث والحقوقي ومدير المديرية الرقمية بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، حضرها نخبة من الأكاديميين والممارسين.
أولا : انفجار “البيئة الرقمية” وانهيار الوساطة التقليدية
في تحليله للتحولات المهنيه، أشار الأستاذ الباحث عبد الوهاب الرامي إلى أن المسألة تتجاوز مجرد الانتقال من الورق إلى الشاشة، بل هي انتقال إلى “بيئة رقمية” شاملة. وأوضح الرامي أن هذا التحول أدى إلى ما أسماه “انهيار وضع الصحفي كوسيط أساسي” في المجتمع، حيث صعدت المنصات الاجتماعية والمؤثرون كفاعلين جدد يزاحمون الصحافة في احتكار الكلام في الفضاء العام.
وحذر الرامي من خطورة الانزلاق نحو “اقتصاد الانتباه” الذي يجعل “النقرات” (Clicks) هي معيار النجاح، مؤكدًا أن “الغرض من الصحافة ليس فقط أن تظل موجودة، بل أن تظل قائمة مع صناعة المعنى الاجتماعي”. كما لفت الانتباه إلى ظاهرة “بروليتاريا الصحافة”، حيث يعيش العديد من الصحفيين هشاشة اجتماعية تضعف قدرتهم على التمسك الصارم بأخلاقيات المهنة.
في ختام مداخلته قدم الاستاذ مجموعة من التوصيات الاستراتيجية والعملية لاستعادة مصداقية المهنة في ظل “العاصفة الرقمية”، ويمكن تلخيص أبرز هذه التوصيات في النقاط التالية:
- صناعة المعنى الاجتماعي كهدف أسمى : يرى الرامي أن التحدي الحقيقي ليس مجرد بقاء الصحافة كوجود مادي أو تقني، بل في قدرتها على “صناعة المعنى الاجتماعي”. وأكد على أن استعادة المصداقية تمر بالضرورة عبر توجيه المجتمع نحو هذا المفهوم، معتبراً أن “صناعة المعنى” هي البوصلة التي يجب أن تقود العمل الصحفي لتمييزه عن مجرد “إنتاج المحتوى”.
- الحماية المهنية والاجتماعية للصحفي : شدد الرامي على أنه لا يمكن مطالبة الصحفي بالالتزام بالأخلاقيات في ظل “هشاشة اجتماعية” تمنعه من العيش بكرامة. وهنا اوصى ب:
- حماية الصحفي مهنيًا واجتماعيًا، لأن “الصحفي القوي خير من الصحفي الضعيف”.
- ضرورة حفظ كرامة الصحفي كشرط أساسي لتمكينه من حفظ كرامة المجتمع وصيانة أخلاقيات المهنة.
- إعادة الاعتبار لشخصية الصحفي وتكوينه : دعا الرامي إلى تجاوز النظرة “التقنية” الضيقة للصحفي، مقترحاً:
- بناء الشخصية الإعلامية التي تمتلك حضوراً سياسياً وثقافياً، ولا تكتفي فقط بامتلاك الأدوات التقنية.
- التركيز على التكوين النوعي الذي يشمل القدرة على التعامل مع المصطلحات الحقيقية والقضايا المجتمعية العميقة.
- تقديم الأخلاقيات على المهارة التقنية؛ حيث صرح بأنه يفضل “صحفياً متوسطاً مهنياً وملتزماً بأخلاقيات المهنة على صحفي جيد مهنياً وساقط أخلاقياً“.
- ترسيخ الاستقلالية ونبذ “الصمت الزائد”: أوصى الرامي بضرورة فهم الاستقلالية بمعناها الحقيقي، وهو ما يتطلب:
- الابتعاد عن “الحياد السلبي” أو الصمت تجاه القضايا الهامة بداعي الاستقلالية.
- مواجهة ظاهرة “الكلام الزائد في التافه” مقابل “الصمت المطبق في المهم”، داعياً الصحافة للبحث عن الحقيقة وكشفها كالتزام أخلاقي أساسي.
- التربية الاعلامية والجمهور “المعاقب” : لم تقتصر توصيات الرامي على الجسم الصحفي، بل شملت الجمهور أيضاً من خلال “مداخل التربية الإعلامية”:
- تمكين الجمهور من التمييز بين الصحافة الجادة والرديئة، والتحقق من المعلومات.
- حث الجمهور على “معاقبة” الصحافة الرديئة ورفضها خارج دائرة الاستهلاك السلبي.
- التعامل الذكي والاخلاقي مع الذكاء الاصطناعي : فيما يخص التكنولوجيا الحديثة، أوصى الرامي بـ:
- استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة (في توليد الأفكار أو تسريع الإنتاج) وليس كمحرك للخط التحريري.
- ضرورة ممارسة “التحقق البشري” والحس النقدي تجاه مخرجات الذكاء الاصطناعي لتجنب التضليل أو المعلومات المغلوطة.
بناءً على هذه المداخل، يخلص الرامي إلى أن استقامة الصحافة في المغرب تتطلب رؤية نسقية تجمع بين المهننة، الأخلاق، والنموذج الاقتصادي الذي يحفظ كرامة الممارسين.
ثانيا : الصحافة بين “الحداثة السائلة” وفوضى المعايير
قدم الشاعر والإعلامي والباحث مصطفى غلمان في مداخلته المعنونة بـ “الصحافة بين المهنية والأخلاق: أي أفق لاستمرارية المهنة في زمن التفكك الإعلامي؟”، رؤية فلسفية وسوسيولوجية عميقة تتجاوز التوصيف التقني للأزمة، لتلامس جوهرها الحضاري والقيمي.
يمكن تحليل مداخلته عبر المحاور العميقة التالية:
- الانتقال من “صناعة المعنى” الى “انتاج المحتوى” : يرى غلمان أن الأزمة الراهنة تمس جوهر الفكرة التي قام عليها الإعلام الحديث. فبعدما كانت الصحافة -وفق المفهوم الهابرماسي- مؤسسة منتجة للمجال العمومي وصانعة لشروط النقاش الديمقراطي، تحولت في العصر الرقمي إلى مجرد “منتج للمحتوى”.
- تسليع الخبر: أصبح الخبر سلعة، والحقيقة مادة استهلاكية، و”الانتباه” هو رأس المال الاقتصادي الجديد.
- سطوة الخوارزميات: لاحظ غلمان أن الخوارزميات والمنصات الرقمية أصبحت أكثر تأثيراً من هيئات التحرير التقليدية في تشكيل الرأي العام.
- سويسولوجيا “السيولة الاعلامية”: استعار غلمان مفهوم “الحداثة السائلة” لزيغموند باومان ليصف واقع الحقل الإعلامي المغربي، حيث:
- فقدان الاستقرار: المؤسسات لم تعد مستقرة، والقيم أصبحت مؤقتة وهشة.
- تآكل الحدود: تراجعت المرجعيات المهنية التقليدية، وذابت الحدود الفاصلة بين “الصحفي” و”صانع المحتوى”، وبين “الخبر” و”الرأي”.
- مفارقة الجودة والثقة: حذر من أنه رغم “انفجار” أدوات النشر وسرعة إنتاج الأخبار، إلا أن منسوب الثقة والجودة في تراجع مستمر.
- أزمة “المؤسسة” والشرعية التنظيمية : قارب غلمان الوضع التنظيمي في المغرب بنوع من النقد البنيوي، مشيراً إلى “أزمة ثقة” عميقة:
- التنظيم الذاتي: تساؤل عن جدوى ومستقبل التنظيم الذاتي للمهنة في ظل وضعية المجلس الوطني للصحافة واللجنة المؤقتة، متسائلاً: “من ينظم من؟ وبأي شرعية؟”.
- التبعية الإدارية: حذر من تحول التنظيم المهني إلى مجرد “امتداد إداري أو سياسي” يفقد استقلاليته.
- العدالة الاقتصادية: أثار قضية العدالة في توزيع الدعم العمومي ومصير المقاولات الصغرى والمتوسطة، وربط ذلك بقدرة الصحفيين على العيش بكرامة.
- “الحرية الفائضة” والفوضى المعيارية : يرى غلمان أن التحول التكنولوجي خلق حالة من “الحرية الفائضة” تقنياً، لكنها قابله “فوضى معيارية”:
- حرية النشر لم تعد مرتبطة بالضرورة بالمسؤولية المهنية.
- تحول الجمهور من متلقٍ سلبي إلى منتج وموزع ومؤثر، مما أدى إلى توزيع “السلطة الرمزية” للإعلام بشكل أفقي وغير متكافئ.
- اقتصاد السرعة: أصبح “السبق” هو القيمة المركزية، غالباً على حساب الدقة والتحقق.
- “تعب المعنى” والبعد الوجداني للمهنة : ختم غلمان مداخلته ببوح إنساني مؤثر، واصفاً الصحافة بأنها “مهنة تشبه السير فوق جمر المعنى”.
- الاستنزاف الروحي: عبر عن شعوره بأن “الزمنية الجبرية القاسية والرديئة” استنزفت الروح والزخم الخفي الذي كانت تمنحه الكتابة، حيث أصبح “التعب أكثر كثافة من اللغة”.
- الصمت كملجأ: اعتبر أن الصمت قد يصبح “ملاذاً أخيراً” ليس استسلاماً، بل كنوع من “الإصغاء العميق” لما تبقى من نبض داخلي يقاوم الانطفاء.
خلاصة تحليل مداخلته: يرى مصطفى غلمان أن الحل لا يكمن في القوانين أو التقنيات وحدها، بل في استعادة “الصحافة كقيمة رمزية وأخلاقية” وكضرورة ديمقراطية، محذراً من أن استمرار منطق السوق والسيولة الرقمية قد يجهز على ما تبقى من “معنى” في هذه المهنة.
ثالثا : الذكاء الاصطناعي: أداة خادمة أم تهديد للروح المهنية؟
يعتبر تدخل الأستاذ عبد الغني بردي، الباحث والحقوقي ومدير المديرية الرقمية بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، من أكثر المداخلات التي ربطت بين الصحافة كمهنة وبين منظومة حقوق الإنسان والتحولات الرقمية، حيث قدم رؤية حقوقية مؤسساتية لمستقبل الإعلام.
ويمكن تحليل مداخلته بشكل أكثر تعمقاً من خلال النقاط المحورية التالية:
- الصحافة كحجرة زاوية في المجتمع الديمقراطي : يرى بردي أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي “خدمة عمومية” حتى وإن كان الممارسون لها خواصاً. وينطلق في تحليله من كون الصحافة:
- ضامنة للحقوق: يعتبرها حجر الزاوية في المجتمع الديمقراطي لأنها تضمن حق المواطن في الوصول إلى المعلومة، وهو حق أساسي لتمكين المواطنين من ممارسة حقوق أخرى مثل المشاركة السياسية والانتخابات.
- البوصلة الأخلاقية: يصف الأخلاقيات بأنها “البوصلة” التي تحمي روح الصحافة وقيمتها؛ فبدونها تفقد الصحافة معناها وتتحول إلى مجرد أداة تقنية.
- تشخيص “الازمة الرقمية” وانتقال سلطة الخبر : قدم بردي تحليلاً مدعوماً بالأرقام (مستنداً إلى تقرير رويترز) حول التغير الجذري في طرق استهلاك الخبر:
- تراجع المصادر التقليدية: أشار إلى الانهيار الكبير في نسب متابعة الصحف الورقية (من 56% في 2013 إلى 16%)، وحتى المواقع الإلكترونية شهدت تراجعاً مقابل صعود مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر أساسي للخبر.
- المعلومة هي من تبحث عن القارئ: حلل بردي تحولاً بنيوياً في التلقي؛ فبينما كان القارئ سابقاً يبحث عن المعلومة، أصبحت المعلومة اليوم عبر الخوارزميات هي من تطارد القارئ، وغالباً ما تصل إليه دون رغبة مسبقة منه، مما يطرح تحديات كبيرة حول سلامة المعلومات.
- التمييز الجوهري بين الصحفي وصانع المحتوى : في خضم “الفوضى الرقمية”، يضع بردي فاصلاً حاسماً بين الفئتين يرتكز على “المسؤولية والأخلاقيات”:
- الصحفي يلتزم بالدقة والتحقق والشفافية، وهي التزامات تحمي حقوق الأغيار.
- الخبر في العرف الصحفي ليس مجرد معلومة، بل هو “المعلومة التي تم التحقق منها”، وهذا التحقق هو ما يمنح الصحفي مشروعيته في مواجهة صناع المحتوى الذين لا يخضعون لنفس المعايير.
- الذكاء الاصطناعي : آلية خدمة لا توجيه : اتسم موقف بردي من الذكاء الاصطناعي بالواقعية والحذر الحقوقي، حيث لخص رؤيته في ثلاثة عناصر:
- خادم للرسالة وليس موجهاً لها: يجب أن يظل الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة (في تحليل البيانات، صياغة العناوين، أو الترجمة) ولا يجوز أن يحدد الخط التحريري للمنبر، لأن الخوارزميات تفتقر إلى الحس الأخلاقي.
- مخاطر الانحياز والتضليل: حذر من أن هذه النظم تحمل “انحيازات” (Biases) بنيوية وقد تنتج معلومات مغلوطة أو تمييزية، مما يستوجب دائماً وجود “التوجيه البشري والمراقبة”.
- الحس النقدي والذكاء البشري: أكد أن الذكاء البشري والحس النقدي هما الحصن الوحيد ضد أخطاء الذكاء الاصطناعي التي قد تمس بحقوق الأفراد أو تشوه الحقائق.
- ثبات الاخلاقيات في العصر الرقمي : خلص بردي إلى أن التكنولوجيا تتغير لكن المبادئ لا تتغير؛ فالحقيقة، الدقة، والتحقق هي مبادئ عابرة للزمن والوسائط. ويرى أن حقوق الإنسان في الفضاء الرقمي هي نفسها في الفضاء الواقعي، وبالتالي فإن أخلاقيات الصحافة يجب أن تظل ثابتة وراسخة مهما تطورت الأدوات التقنية .
بناءً على ذلك، يضع بردي الصحافة أمام تحدي “الصمود” عبر التمسك بالهوية المهنية والأخلاقية كشرط للبقاء والمصداقية في وجه المنافسة الشرسة للمنصات الرقمية.
رابعا : المقاولة الصحفية والسياسة: صراع الاستقلالية
تعد المناقشة التي تلت المداخلات الرئيسية في ندوة مراكش “الصحافة المغربية بين المهننة وأخلاقيات العصر الرقمي” امتداداً نقدياً وتشخيصياً كشف عن هواجس الجسم الصحفي وتطلعاته، حيث لم تكتفِ بتأكيد ما جاء في المداخلات، بل عمقت النقاش حول قضايا المسكوت عنه في العلاقة بين الصحافة، السياسة، والمجتمع.
ويمكن توسيع التحليل في هذه المناقشة عبر المحاور الاستراتيجية التالية:
- جدلية “الاستقلال” وهيمنة الفاعل السياسي : شكلت مداخلات القاعة، لا سيما ما طرحه الأستاذ عبد الواحد طالبي، صدمة تشخيصية لواقع الاستقلالية؛ حيث اعتبر أن الصحافة المغربية غرقت في “وحل السياسة”.
- تبعية لقمة العيش: أثيرت قضية أن الصحفي أصبح “مرهوناً لدى السياسي في أكله وشربه”، مما يجعل الحديث عن الأخلاقيات والمهنية نوعاً من الترف في ظل غياب العيش الكريم والحصانة الفكرية.
- صناعة “الصحفي الموال”: انتقد المتدخلون كيف هندست السلطة السياسية مشهداً يخدمها، عبر دعم “مؤثرين” وصحفيين يمارسون الدعاية بدلاً من كشف الحقيقة، مستغلين حالة الهشاشة الاجتماعية التي يعيشها المهنيون.
- أزمة “الوساطة” وتيه المتلقي : عمقت المناقشة ما أشار إليه عبد الوهاب الرامي حول انهيار وضع الصحفي كوسيط.
- تجاوز المؤسسات: أشار الأستاذ رشيد الصباحي وآخرون إلى أن المؤسسات (الأحزاب، الهيئات العمومية) أصبحت تتوجه مباشرة للجمهور عبر منصات التواصل (Sponsoring)، متجاوزة الوسيط الصحفي، مما أدى إلى “تخبط المتلقي” وعدم قدرته على التمييز بين الخبر المهني والمحتوى الموجه.
- سلطة الخوارزميات مقابل سلطة التحرير: تم التأكيد على أن “المعلومة هي من تطارد القارئ” اليوم عبر الخوارزميات، مما أفقد الصحافة سلطتها التقليدية في “حراسة البوابة” (Gatekeeping) وتوجيه النقاش العمومي.
- تحدي التكوين : من “التقني” الى “المثقف العضوي” : ركزت النقاشات على أن أزمة الصحافة ليست فقط في “الأدوات”، بل في “جوهر التكوين”:
- فقر القراءة: وجه الأستاذ محتات رقاص نداءً قوياً للصحفيين بضرورة القراءة، معتبراً أن “الصحفي قبل أن يكتب جيداً يجب أن يقرأ جيداً”، منتقداً اكتفاء البعض بالدروس التقنية دون امتثال لثقافة الاستيعاب والتحليل.
- غياب التخصصات الحديثة: أشار أحد المتدخلين إلى نقص حاد في مهارات “صحافة البيانات” (Data Journalism) و”الصحافة الاستقصائية”، معتبراً أن الجيل الحالي قفز إلى الذكاء الاصطناعي دون إتقان أساسيات الصحافة الرقمية الحقيقية.
- وضعية “المراسل” والهشاشة القانونية : أثيرت نقطة جوهرية تتعلق بـ “المراسلين” الذين يشكلون العمود الفقري للصحافة الميدانية والجهوية:
- المسؤولية الميدانية مقابل الإقصاء القانوني: أكد متدخلون أن المراسلين هم من يتحملون المسؤولية ميدانياً في جميع التظاهرات واللقاءات، ومع ذلك يعيشون “هشاشة قانونية” ولا يتمتعون بحقوق الصحفي المهني، مما يخلق جيلاً من الصحفيين “خارج التغطية” القانونية رغم كفاءتهم الميدانية [69، 78].
- التبعية الإدارية: أوضح رقاص أن العديد من المراسلين هم في الأصل موظفون في قطاعات أخرى، مما يعقد وضعيتهم القانونية داخل المقاولات الصحفية وفق القوانين الحالية.
- الموقف من الذكاء الاصطناعي : “اداة لا بديل” : ساد نوع من “الواقعية الحذرة” في التعامل مع التكنولوجيا:
- انعدام المصداقية الذاتية للآلة: اتفق المتدخلون على أن الذكاء الاصطناعي (Generative AI) لن يكون أبداً “ذات مصداقية” بمفرده لأنه يعيد تدوير ما ينتجه البشر.
- التحقق البشري: شدد الرامي في تعقيبه الختامي على أن “الذكاء البشري والحس النقدي” هما الحصن الوحيد ضد أخطاء الذكاء الاصطناعي التي قد تصل إلى حد تزييف الحقائق أو “الهلوسة” الرقمية.
- المقاولة الصحفية بين الاستنزاف والدعم : اختتم النقاش بتسليط الضوء على “كرامة المؤسسة” كجزء من كرامة الصحفي:
- استنزاف المقاولات الصغرى: انتقد متدخلون الشروط “التعجيزية” للدعم العمومي والإقصاء من الإعلانات القانونية، مما يجعل المقاولة الصحفية، خاصة الجهوية، في حالة استنزاف اقتصادي دائم يمنعها من التطوير التكنولوجي أو تجويد المحتوى.

خلاصة: نحو عقد اجتماعي جديد بين الصحافة والمجتمع
تأسيساً على ما غاصت فيه ندوة مراكش من نقاشات عميقة، يمكن صياغة خاتمة استشرافية ترسم معالم الطريق لمستقبل الصحافة المغربية، انطلاقاً من الرؤى المتقاطعة لكل من مسير الجلسة الإعلامي عبد الصمد بن شريف ورئيس الفيدرالية المغربية لناشري الصحف محتات الرقاص:
لم تكن ندوة مراكش مجرد محاكمة للذكاء الاصطناعي أو رثاءً للصحافة الورقية، بل كانت وقفة تكمن أهميتها في وضع الإصبع على “الجرح البنيوي” للمهنة. فمن خلال تساؤلات عبد الصمد بن شريف الاستفزازية للعقل المهني، اتضح أن الأزمة في المغرب ليست تقنية فحسب، بل هي أزمة “هوية وموقع”؛ حيث تساءل بن شريف بمرارة عما إذا كانت القوانين الحالية قد صُممت لتأهيل القطاع أم لـ “تلغيم الأجواء وبلقنة الحقل الإعلامي”. إن تحذيره من تحول الصحافة إلى “صوت واحد” أو أداة “ممالئة وموالية” ضمن “مشروع تجريف” تقوده الدولة، يضعنا أمام تحدي استعادة “الصحافة المرجعية” التي يفتقدها المغرب اليوم، تلك التي تشكل مصدراً موثوقاً للخبر في الأزمات بعيداً عن ضجيج “الدعاية وتضليل الأخبار”.
ومن زاوية مكملة، قدم محتات الرقاص “خارطة طريق” واقعية للمقاولة الصحفية، مؤكداً أن الاستمرار في العصر الرقمي ليس خياراً بل هو “إكراه موضوعي وتطور حتمي” لا يجدي معه النقاش العقيم حول صراع الورقي والرقمي. ويرى الرقاص أن كرامة الصحفي تبدأ من “كرامة المقاولة” واستقلالها الاقتصادي، داعياً الناشرين والمهنيين إلى الكف عن لعب دور “الضحية” والبدء في الاستثمار في الذات؛ فالصحفي الحقيقي هو من “يقرأ جيداً قبل أن يكتب جيداً”، وهو من يستثمر في تكوينه وسلوكه المهني دون انتظار “صدقات” مؤسساتية .
إن الخلاصة المركزية التي يمكن استنتاجها من هذا الحوار الوازن هي أن الصحافة المغربية مطالبة اليوم بـ “صناعة المعنى” وسط فوضى الخوارزميات. فبينما يرى بن شريف أن الصحافة مرتبطة عضوياً بـ “الديمقراطية وحقوق الإنسان”، يشدد الرقاص على ضرورة “التأهيل الذاتي” للمقاولات، خاصة الجهوية منها، لتنتقل من الهشاشة إلى المؤسساتية.
وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان معلقاً على قدرة المهنيين على الحفاظ على “المصداقية والشخصية المستقلة”، تماماً كما فعل رواد المهنة الذين ظلوا، رغم إكراهات القنوات العمومية أو “ضيق الأفق السياسي”، نماذج للمهنية الرفيعة. إن مستقبل الصحافة في المغرب رهين بالانتقال من “اقتصاد الانتباه” إلى “اقتصاد الثقة”، حيث لا مكان فيه إلا لمن يمتلك الرؤية الاستراتيجية، الالتزام الأخلاقي، وشجاعة مواجهة “العاصفة الرقمية” بوعي نقدي ثاقب رهين بقدرتها على “استعادة مصداقيتها عبر صناعة المعنى”، والتمسك بالأخلاق كحصن أخير ضد التمييع الرقمي.



قم بكتابة اول تعليق